الأحد، 28 ديسمبر 2025

ما بعد السجن

 



 

    حياتي ما بعد تجربة السجن ، موضوع الكتاب الذي يشغلني الان ، إنها تجربة قاسية حقًا .. تشعر وكأنك ولدت  من جديد .. وعليك أن تعتاد على المجتمع وقواعده .

    لكم تذكرت القول المأثور : " أن أسوأ يوم تعيشه في العالم الحر أفضل من  اي يوم  تقضيه داخل السجن  ".. نعم ، أي شيء يحدث بعد السجن ، مهما كان سيئاً ، أفضل من البقاء للحظة واحدة خلف قضبان السجن وحصار الاسلاك الشائكة ، ورقابة جنود مدججين  . و يبقى السجن أسوأ بكثير من أي شيء قد يحدث في العالم الحر.

    عشرة سنوات داخل الزنزانة ليس وقتا هينا ، ولا هي تجربة يمكن للكلمات ان تصف عمق الوجع المصاحب لمن لم يتجرع قسوتها . وها هو الشيب يغزو شعري ، لطالما كان هذا ، ولا يزال ، ما أستخدمه كمقياس عندما أشعر برغبة في عيش حياة طبيعية طاردة للتذمر .

    أنا الان ممتن ممتن لقدرتي على تحدي السلطة ، إنها عملية إعادة تأقلم مع صدمة ثقافية لا تقل أهمية عن دخول السجن في المرة الأولى.

    الخروج إلى عالم مختلف تمامًا ، نوبات اضطراب ما بعد الصدمة المتكررة، ورؤية شيء ما لأول مرة بينما العالم كله قد رآه بالفعل ، ومحاولة شرح التهم الموجهة إليّ للناس وهم لا يعرفون ما حدث ، ومحاولة بناء علاقة جديدة وهم يحاولون التأقلم مع الضرر النفسي الذي لحق بي. أستطيع الاستمرار في سرد المزيد ، لكنني لن أطيل عليكم بالتفاصيل.

    أريد أن يفخر بي أبنائي ، وألا يكبروا وهم يرونني عاجزا عن توفير الحياة التي يستحقونها  .. يؤلمني بشدة أنني السبب في افتقارهم النسبي للرفاهية ، وهذا خطائي ، لكنني بحاجة إلى أن أحبهم ، وأن أحب نفسي في اللحظة الراهنة ، أنا أخوض صراعاً من أجل حياتي ، الآن لا تفسد الأمر! .. سأبذل قصارى جهدي.

صالح شتيوي الدعيكي

الجمعة، 26 ديسمبر 2025

فبراير في الذاكرة


 

     اندلعت ثورة السابع عشر من فبراير، لأجل التخلص من الاستبداد والنظام المتخلف الذي حكم ليبيا اثنين وأربعين عاماً، وتأثراً بما حدث في تونس أولاً ثم في مصر. خرج الليبيون إِلى الشوارع في فبراير من العام 2011م وثاروا على حاكم منَّاعٍ لِّلخيرِ مُعتدٍ أثِيمٍ، كان يصف معارضيه بـ«الكلاب الضالة».. ويدفع الطلبة إِلى شنق زميل لهم فِي فناء الجامعة.. وينصب المشانق لمعارضيه السياسيين فَي الميادين والساحات العامة.. ويرسل فرق الاغتيال من لّجانه الثّورية إِلى عواصم العالم المختلفة لملاحقة المعارضين في الخارج وتصفيتهم جسدياً أينما كانوا، داخل بيوت الله أو في الأماكن العامة.. وأمر سجّانيه يوم 29 يونيو 1996م بقتل نحو 1269 سجيناً من سجناء الرَّأي والمعترضين على سياساته، فحدثت الواقعة الدامية التي عرفت بـ«مجزرة سجن أبو سليم». 

     خرج الليبيون إِلى الشوارع وثاروا على حاكم كان يعتبر الوطن مزرعة خاصّة له ولأولاده، وكان لا يحب أن يسمع إلاّ صدى صوته، ولا يسمح بتاتاً بالعمل الحزبي معتبره خيانة عظمى عقوبتها الإعدام في ظل سياسة شعارها: «مَنْ تحزب خان». ثاروا على حاكم كان يعتبر الانتخابات بدعة وضلالة وتزييفاً للديمقراطية، ويعتبر التمثيل النيابي كذباً وتدجيلاً !!، وعبر عن ذلك في نصوص كتابه الأخضر التي حكم بها البلاد، وكما جاءت في مقولاته التالية: «لا نيابة عن الشعب والتمثيل تدجيل».. «المجلس النيابي حكم غيابي».. «المجالس النيابية تزييف للديمقراطية».

     ثاروا على حاكم ألغى الصحافة الأهلية بموجب قرار أصدره في العام 1972م، وزج بالعديد من المفكرين والأدباء والكُتَّاب والصحفيين في السجن بحجج مختلفة منذ إعلان النقاط الخمس في خطاب زوّارة في 15 أبريل 1973م – الخطاب الذي عُرف بـ«الثورة الثقافية»، وهي الثورة الّتي ألغت القوانين المعمول بها والنظم الإداريّة المتعارف عليها وكانت المتكأ والمنطلق للعبث بكلِّ مظاهر الحياة الثقافية في ليبيا. واعتمد سياسة تجويع الشعب وإفقاره لأجل إحكام السيطرة عليه، وأصدر قرارات تلو القرارات التي تمَّ بموجبها مصادرة أموال الليبيين وممتلكاتهم الخاصة، وإلغاء النشاط الاقتصادي الخاص، وفقاً للنص الوارد في الفصل الثاني من كتابه الأخضر الذي اعتبر الربح نوعاً من أنواع الاستغلال.

      ثاروا على حاكم عربيد قاصر الفهم، فكر يوماً أن يلغي العملة ويعود بالليبيين إِلى عصر المقايضة، وهداه تفكيره يوماً والذي يزعم أنه «اشتراكي»، بدعوة الِلّيبيين إِلى زراعة الخضر فوق أسطح المنازل وشرفات العمارات، وتربية الدواجن داخل الشقق لتحقيق الاكتفاء الذّاتي، وفرض على كلِّ أسرة شراء قفص مِن الحديد يسع قرابة أربع أو خمس دجاجات !، ليكتفي كلِّ منزل ذاتياً من حاجته إِلى البيض واللحم، وعلى هذا النحـو كان ينظر إِلى «نظرية الاكتفاء الذّاتي»! 

    ثار النَّاس في السابع عشر من فبراير على حاكم متعجرف كان يتلذذ بحرمان الليبيين وإذلالهم، لدرجة أنه أصدر أمراً في مرحلة ما بعدم استيراد الأحذية، ودعا كل شخص تقطع حذاؤه إِلى ترقيعه وخياطته، وقال إن الِلّيبيّين محتاجون إِلى «خرازين» وليسوا بحاجة إِلى أحذية جديدة، وكيف لهم أن يكلفوا خزانة الدولة الملايين، على أشياء لا تستحق! وكان يتلذذ بإهانة الليبيين واستحقارهم، لدرجة أن الأمر وصل به أن يقطع بث التلفزيون كلما شاهد شيئاً لا يعجبه أو علم أن النَّاس مجتمعون حول شاشات التلفاز لمتابعة شيء يحبونه، ليضع حذاءه على كبر الشاشة في وجه المشاهدين، أي وجوه كافة الليبيين!

    هذا ما دعا الليبيين إِلى الثورة، وما يدعونا ونحن نحيي الذكرى الرابعة عشرة للثورة، التأكيد على أنها كانت ثأراً لكرامة كل ليبي وسعياً لنيل الحرية واسترداد الحقوق. وكانت حاجة ماسة وضرورية، ومطلباً شعبياً لكلِّ الليبيين، وساعةً انتظرها الجميع بفارغ الصبر، وقد سبقتها تضحيّات جسام ومحاولات فردية وجماعية بغية التخلص من حاكم متخلف مستبد اختصر الوطن فِي شخصه وفي قرار يصدر عنه. وكانت لحظّة مفصلية في تاريخ ليبيا، والخطوة الأهم في طريق الوصول إِلى الدولة المدنية الدستورية القائمة على صندوق الاقتراع.

    هدفت فبراير إِلى إسقاط الدّكتاتور وإنهاء نظام حكمه، وأتمت مهمتها بنجاح تام، وتركت تحقيق الطموحات والآمال والتطلعات على عاتق كافـة النَّاس. ونجحت ثورة فبراير نجاحاً باهراً في تحقيق هدفها المتمثل في إسقاط الطاغية الذي كان متمسكاً بعودة المجتمع الليبي إِلى العصر الحجري، وسلمت الراية أو الأمر إِلى كافة النَّاس ليواجهوا الثورة المضادة ومخلفات ثقافة همجية كان عنوانها الإقصاء والرقص على جثث أصحاب الرَّأي والعلم والمعرفة، وشعارها: «سير وﻻ تهتم يا قائد وصفيهم بالدم»، و«ما نبوش كلام لسان نبو شنقه في الميدان». 

      ومَنْ يحاول اليوم تحميل ثورة فبراير، وزر الفشل والتدهور والانقسام والانفلات الأمني الذي يُهدد وحدة البلاد واستقراره، ووزر ما هو جارٍ من تدخلات خارجية والمرتزقة الذين يسرحون ويمرحون في طول البلاد وعرضها، يخلط الأمور، ويتجاهل الثورة المضادة، ويتغاضى عن التآمر الخارِجِي، ويتغافل عَن إرث ثقيل تركه نظام متخلف حكم البلاد بفوضوية لم ير العالم مثيلاً لها عبر العصور.

      ثورة فبراير لا تنتظر منا اليأس والاستسلام، وتؤكد لنا أن طريق الثورات طويل وشائك، وأنه يحتاج للصبر ليحقق أهدافه الكاملة. وأن ليبيا تنتظر منا جميعاً إدراك المخاطر والتحديات، والتغلب على كافة المشاكل والعراقيل والمؤامرات، واستكمال المسير نحو النصر الكامل، كما فعلت شعوب أخرى، عبر التاريـخ.

     أخيراً، أجد نفسي مضطراً لأختم كلامي بنفس ما ختمت به مقالتي في ذكرى فبراير السادسة، فأقـول : «ليبيا اليوم تنتظر منا جميعاً تصحيح المسار ومعالجة الأخطاء واستكمال المسير نَحْو النًّصر الكامل، والتغلب على الفتن والفرقة، وتجاوز كل العراقيل وكافـة العقبات والمشاكل الّتي تعترضنا، وأن نكون مدركين أن التّاريخ سيحاسبنا إنَّ لم نحسن النهايات كمَا أحسنا البدايات».

       وختاماً ، لابد أن نطمح ونعمل من أجل العودة إلى «كنف الشرعية الدستورية» بعد اثنين وأربعين عاماً من العيش في عبث وجحيم «الشرعية الثورية» في ظل نظام القذافي الانقلابي، وبعد أربعة عشر عامـاً من مصارعة الثورة المضادة والمخلفات التاريخية وإرث نظام القذافي الاستبدادي والتدخلات الخارجية السلبية.

    وأقول مؤكداً .. لن يحكمنا سيف القذافي بعد أبيه ، ولن تعـود « الجماهيرية » مهما حدث وصار .. وستنتصر فبراير حتماً

طال الزّمن أو قصُر. 

والعبــرة لمَـنْ يعتبر

كـل عـام وحبنـا للوطـن أكبـر، وكـل عـام والوطـن بخيــر وســلام

شكري السنكي  

نشر بموقع بلد الطيوب

 

 

عن مقالة ابوشناف .. والتنمر الفيروسي

 


 

     طالعنا الاديب .. سجين الراي ، الرفيق منصور بوشناف ، هذا المساء بمقالة تستذكر معاناة سجناء الرأي بالأمس كما اليوم ، في محاولة لسبر اغوار الماضي المؤلم ، ومدى امكانية الخروج من عنق الزجاجة ، وان لا تغيب عنا جهود اولئك الذين ناضلوا بالكلمة ، ودفعوا ثمنا باهظا لا تعوضه اموال ، واختار محنة الرفيق " على العكرمي " الذي ظل ثلاثون عاما سجينا خلف اقبية الزنازين ، انموذجا ، والعبر التي يمكننا استخلاصها من تجارب هذه الفئة التي قارعت الاستبداد بالكلمة في اوج رعونته .

      كنت اتوقع ان التعقيبات سوف تحمل عبرة حزن واسى على ماض مظلم ، ومؤازرة لأناس ذاقت عذابات السجن والبعاد والحرمان ، واصوات تنعي الواقع وتطالب جبر الضرر وتكريم هذه الفئة المنسية . تدشينا لمدونة حقوق الانسان في التعبير عن رأيه في كل المراحل والازمان .

     للاسف ، جاءت بعض التعقيبات مخيبة للآمال ، ولا يمكن ادراجها سوى في خانة ، " ورم استعصى علاجه " ، او في باب التنمر الفيروسي الامبرر ، لكنها في ذات الوقت نضحت بما يمكن وصفه " الاجدوى من اطلاق فرقات التسامح مع هؤلاء " ، وان مقولة " حتحات على ما فات ، فات امد صلاحيتها ، فمهما ذكرتهم بمثالب العهد المنهار ، فإن جوابهم " عنزة ولو طارت " ، ذلك انهم فقدوا السلطة وهباتها التي تمتعوا بها دون غيرهم زمن طاغية العصر ، فلا يروق لهم غير التعبد في محرابه ، تحجرت قلوبهم بقدر الدماء التي سفكت بأيدهم ، واخذتهم العزة بالاثم ، وببساطة ، يمكنك ان تصفهم ، بأشخاص نفعيين ، غير ناضجين ، ولا وطنيين ، وغير واثقين من أنفسهم .. يُقلّلون من شأن الآخرين لمجرد الشعور بالتفوق عليهم .. لذا ، إذا فعلوا شيئًا يؤثر على مسيرة الآخرين ، لن يكترثوا .. هناك قدرٌ كاف من الحقد والأنانية الغير مبررة .. والطريقة الوحيدة للاستشفاء من اوجاعهم ، الإساءة للآخرين ، والتمتع بسلطة من خلال ذلك .. ذلك يمنحهم متعةً سادية . اذ ان معظمهم نفوسٌ غير راضية ومضطربة .. لم يحققوا ما خططوا له .. إنهم بحاجةٍ إلى علاجٍ نفسيٍّ مناسب.

      هذا الوجه المظلم ، لا يقود الى المستقبل المشرق الذي ينشده " ابوشناف " ، لكن ايضا ليس هو الوجه الوحيد ، نلحظ تعقيبات عقلانية تستعشر وخزات الالم في سطور بوشناف ، وما بين السطور ، منها :

      - على عبيد يقول : بينما تهتم الدول المتقدمة بالنخب وتعمل على تنميتها وتطويرها، كان النظام السابق يعمل بكل السبل على تدجين وتقزيم النخب الليبية. قد يبدو هذا الأمر مناقضا للمنطق، لكن من يدرك طبيعة ذلك النظام الصبياني البائس لا يستغرب البتة في كل ما قام به من بطش ومطاردة وسجن وتشريد لهذه الفئة التعيسة. عندما يتعاضد عامل سوء النية مع عامل الجهل، لابد أن ينتج افكارا شديدة التدمير توجه نحو أي فئة في المجتمع لمجرد احتمالية أن تنبت فيها نبتة المعارضة والتمرد. هكذا هي انظمة الاستبداد في كل الدنيا، وهكذا كان نظام الاستبداد في ليبيا. لا يعكر مزاجي شيء قدر ما تعكره ثرثرة السذج وأشباه الأميين الذين يصرون بغباء على أن ليبيا كانت دولة ديمقراطية يحكمها العدل وسيادة القانون.

        - عبدالله زاقوب يكتب : " ليبيا في امّس الحاجة لمثل هذه المراجعات وقراءة الدروس المستفادة " .

      -  نوري العبار ، يكتب : " نعم.. تجربةٌ غيّبتها الصراعاتُ والأزمات ، واختُزلت آلامُها إلى حدٍّ جعل بعضَهم يعدّها عقابًا مستحقًّا لأولئك الضحايا. اضمحلّت قيمةُ التجربة — على عِظَمِها — في نظرهم ، بالقدر ذاته الذي تراجعت فيه قيمةُ الصفح والغفران وقبول الآخر المختلف ؛ وهي أعمقُ ما حملته التجربة من رصيدٍ إنسانيٍّ ومعنوي. إن احترام هذه التجربة الإنسانية يُعَدّ بدايةَ يقظةِ المجتمع ووعيه نحو بناء الدولة ، بكل أفرادها وبمختلف أطيافهم. ولعلّكم، أستاذ منصور، ومَن على شاكلتكم من الأساتذة، ومنهم الأستاذ عليّ، قد استطعتم — بلا شك — أن تتجاوزوا المحنة وتقبلوا الآخر، بوصفكم ضحايا آثرتم الارتقاء بهذه القيمة. غير أنّ الطرف الآخر، ومن خلفه رهطٌ كثير، يبدو أنهم لا يعترفون لكم بذلك، ولا يزالون غير مستعدين لقبولكم حتى الآن؛ وهو ما يجعل الوئامَ عصيَّ المنال إلى يومنا هذا " .

    -    خالد الناجي كتب يقول :  " لكن سياسة حتحات على ما فات في كل مرة تروق للانتهازيين المتلونين وتمنحهم حماية أبدية لا أراها منطقية " .

        اجمالا ، الى اين نحن سائرون ؟ ، والى اين تمضي بنا مركب الوطن ؟ الاشرعة مترعة والرياح عاصفة ، وعلى سجناء الرأي ان يرفعوا اصواتهم قليلا ، وان يصدحوا عبر كل الوسائل الممكنة لتعرية الحقيقة الغائبة عن اجيال ضحية اربعة عقود ونيف من التجهيل ، والهتاف بشعارات فضفاضة تدغدغ اوداج العوام ووجدانهم ، والمبادرة بتسجيل تجاربهم السجنية لإثراء الحقيقة .. دمتم ذخرا للوطن .. وجسر العبور لمستقبل مشرق .

      المقالة تأتي في مناسبة عيد استقلال ليبيا 1951 ..وانعقاد الاجتماع السنوي للجمعية العمومية الأحد المقبل .. واظن أن تدوين التجربة السجنية كل على حده .. شيء يخدم الغرض .. وحلي به أن يدرج ضمن بنود جدول الأعمال.. دمتم

العدالة الانتقالية لا الانتقائية

 



عن العكرمي والبلاد


 

     

      "علي العكرمي" وعبر شهادته التاريخية الهامة عن تجربته السجنية الطويلة " يعيد لسجناء الرأي الليبيين " معنى معاناتهم ومكابداتهم المريرة والطويلة ,  بعد ان غيبتها الصراعات والاحداث ,  بل وجعلت حملات من النكران احيانا تلك الآلام عقابا مستحقا لأولئك الضحايا ,  فقد حمّل الرأي العام الليبي في غالبه ما حصل ويحصل في ليبيا من خراب واقتتال لاولئك المساجين , الى جانب العائدين من الخارج  "كما يسمي الليبيون "  المعارضة  التي كان افرادها مطاردين  برصاص فرق الموت الليبية في كل اصقاع العالم  .

      العكرمي ينقل تجربة اجيال من المقاومة الليبية للقمع والاذلال , والاهم يقدم صورة لما ال اليه مصير نخب في ذلك الوقت من السياسيين والمثقفين والمتخصصين من تدمير وقتل , ليس لهم كأفراد فقط , بل لمستقبل بلاد كانت تسعى كغيرها من بلدان العالم المتخلف للنهوض واللحاق بمواكب العصر .

       ما قدمه العكرمي عن السجون الليبية لم يكن صادقا وشفافا فقط بل كان "واعيا ومدركا" ليس لحجم عذاباته ومعاناته , بل لمعنى تلك العذابات والآلآم , كان قادرا على وضعها في مسارها باتجاه مستقبل افضل للبلاد والعباد , كان راعيا عارفا وعطوفا لحبات بذر بذرها اولئك "الحكماء " كما سماهم , في حقول ليبيا وروتها دماء شهداء , ودموع ثكالى  .

       تجربة العكرمي ومئات من سجناء الرأي الليبيين , كان احد اهم دروسها "حسب ما اورده العكرمي في شهادته " هو " قبول الأخر  المختلف فكريا " بل والنظر اليه كشقيق ولدته الآم ليبيا وشريك في الزنزانة والقسم والوطن وفقدانه يمثل فقدان الشقيق والرفيق .

الاعتراف والقبول والاندماج مع الشقيق المختلف فكريا اهم دروس تجربة السجون الليبية والتي عشتها كما عاشها كثيرون غيري وكما رواها العكرمي والتي وبكل اسف فشلنا في ايصالها الى مجتمعنا الذي كان ولا يزال في امس الحاجة لمعرفتها من اجل سلم وتماسك اجتماعين وهما اهم اركان بناء الدول ونهوضها من كبواتها التاريخية .

الليبيون ورغم تجاربهم التاريخية الثرية والملهمة , ظلوا عاجزين عن استلهام الحلول لمشاكلهم وصراعاتهم وحتى حروبهم الاهلية المنهكة والمدمرة من تلك التجارب , ظلت تلك التجارب احداثا وحتى الآما منسية , ظلت كمثل ثروات ليبيا مهملة ولا يستفاد منها , بل وأحيانا يحولونها الى سلاح دمار, كما يفعلون الآن بثروة النفط .

تجربة الملك ادريس بعد الاستقلال كانت تجربة شديدة الوعي بالماضي , كان ثروة قومية يجب استخدامها لبناء المستقبل , لذا طرح مباشرة مبدأ الصلح الاجتماعي من اجل بناء دولة متماسكة وقادرة على تخطي عقبات ماضيها , كان القبول بالأخر وان اختلف وان اخطأ الخطوة الاولى لبناء دولة المواطنين بمختلف اطيافهم ومختلف اخطائهم , كان الصلح والتماسك الاجتماعي اههم اركان تأسيس الدولة .

       تجربة سجناء الرأي والمعارضين ثم تجربة المتحاربين في كل مراحل تاريخنا الحديث , نحتاج الآن ان نستلهمها وان نوظفها لرتق ما تمزق من نسيجنا الاجتماعي من اجل بناء دولتنا ومستقبلنا , فبدون الوصول لتلك الصيغة , لذلك العقد الاجتماعي الذي وصل اليه الليبيون بقيادة الملك ادريس , ووصل له السجناء الليبيون في معتقلاتهم وجعل الحياة ممكنة مع المختلف , والبناء معا لترسيخ قيم المواطنة , لن تكون البلاد بلادا , ولن تكون الدولة دولة .

      التجربة الليبية المريرة التي وصل فيها الليبيون الى اعتبار الليبي الاخر عدوا واعتبار الاجنبي شقيقا وحليفا , واستعان فيها الليبي بالأجنبي لذبح الليبي الاخر , ليست إلا انتحارا جماعيا لكل الاطراف , انتحار شعب كامل , ودمار مشروع دولة

       الليبيون على شفا العدم , اما نتوقف عن هذا الانتحار وإما ان نسحق ونتناثر نتفا تذروها الرياح , اما ان نستلهم تجربة ادريس والمعتقلات الليبية او تجربة الارهاب وقتل الشقيق ثم الانتحار . 

نشر ببوابة الوسط

منصور بوشناف

نشر ببوابة الوسط


علي العكرمي ثلاثونعاما خلف القضبان



قصة من رعب الطغاة

    زمان كنت بمعرض دمشق الدولي للكتاب ايام الهارب بشار.جلست صحبة اصدقاء من الكتاب والناشرين السوريين بمقهى بأرض المعرض قبيل الغروب قالت ناشر...