الجمعة، 20 يونيو 2025

قساوة القيد صلابة الروح


 

    كتاب «قساوة القيد صلابة الروح»، الصادر عن دار الفرجاني عام 2012م، هو كما أشار مؤلفه عبد العظيم قباصة في مقدمته أنه سيرة سجناء سياسيين ليبيين، وتجربة أستمرت عقد كامل من عمره وعمر رفاقة في السجون الليبية. لكن المؤلف وعلى غير عادة من يكتب سيرته في السجن أو خارجها، لم يتحدث كثيراُ عن نفسه، ففي معظم فصول الكتاب وسطوره، كان أما متحدثا عن شخص اخر قريب منه في سجنه بضمير الغائب منفصلاً او متصل على نحو (لا نه كان فعلا رمزا ً حقيقيا… أعطوه القليل فرجاهم…) أو متحدثاً بصيغة الجمع فحضرت (نا) الدالة على الفاعلين على نحو (اقترح علينا.. في غير صالحنا.. هكذا حاولنا.. أخوتنا وأصدقاؤنا.. دخلنا من تلقاء أنفسنا.. لدينا جميعا…)

     سجل عبد العظيم قباصة بدقة محسوبة، وبلغة سهلة صارمة وجميلة، تجربة سجنه الطويلة الثالثة، مكتفياً بالإشارة في سطور قليلة عن التجربتين السابقتين، ليتحول هذا الكتاب إلى ما يشبه وثيقة تاريخية هامة، حرص المؤلف أن يحدد للقاري بدايتها ونهايتها بدقةـ ليبين من بداية صفحات الكتاب ان الحدود الزمنية لهذه التجربة بدأت في الخامس عشر من شهر مارس عام 1978م وأنتهت في الثالث من شهر مارس عام 1987م .

      وأعتقد أن قباصة نجح في أن يستثمر ذاكرته القوية، ويستغل الظروف التي مر بها ورفاقه في السجن، فيستدعيها على مهل ليحولها من سجل تاريخي طويل كل يوم فيه حكاية مختلفة، تحولت لقصص واقعية مكتوبة بلغة سهلة إعتمد عليها كثيراً في تحويل هذه الوثيقة التاريخية الشاهدة على فترة من عمر سجين ورفاقه السجناء، إلى عمل ابداعي راقي يجد المتلقي متعة في متابعته بلا ملل، والتفاعل مع فصوله المتتالية بفضول لا يتوقف.

     رغم ان المؤلف كان يحشر بعض الجمل ويكررها، على نحو (سوف آتي الآن على أهم مراحل الفترة المتبقية من فترة توقيفي….) (سوف أتحدث الآن بتلخيص عن سير جلسات المحكمة…) (قبل أن أبدا الحديث عن يوم انتقالي إلى السجن المركزي …) (…لنعد قليلا لوصف تصميم وشكل هندسة القسم الرابع) (وأنا هنا أحب أن أؤكد…) وكأنه يخشى من ان يتوقف القاري عن متابعة ما يكتب، واحسب أن هذه الجمل تشوش على ذهن القاري ،وتؤدي (ربما) لتعثر تسلسل أفكاره ومواصلة القراءة .

المكان

      يبرع عبد العظيم قباصة بشكل كبير في قدرته على وصف الاماكن التي تدور فيها أحداث حكاياته وصفاً دقيقاً ، مستخدماً لغة سهلة ، تمكن من خلالها أن يجعلني أعيش كقاري مكانه الذي يصفه ، أحب بشده بعض الأماكن التي وصفها بحب وحنين، وأكره ما كان يكره .

      ( كان الرجل المخمور قد استرخى قليلا على أحد المنادير، وفجأة بدأ يتقيأ ما في معدته، وبدأت تفوح أكثر فأكثر رائحة الكحول، لم نقترب منه، وحين انتهى من ذلك، وبدأ يغفو ممداً رجليه على ذلك القيء…. ) وأنا أقرأ أحسب أن براعة هذا الوصف ،يكاد يجعلك تشيح بنظرك أو تتحسس أنفك وتشعر بما كان يشعر السجين ورفيقه داخل الزنزانة الضيقة .

     يمضي المؤلف في وصف الأماكن بدقة متناهية، وبطريقة سهلة وغير مفتعلة، فيرسم القاري صوراً مختلفة فيتخيل السجون بزنازينها واقسامها وممراتها، وقاعات المحاكم وما فيها ، ومكاتب التحقيق ويتألف مع كل الأمكنة بشكل يقترب من شعوره أنه قد ألفها وعرفها وتعايش معها .

بعض الشخصيات

     خصص المؤلف مساحات مهمة لبعض الشخصيات دون غيرها وأسهب في وصفها والتحدث عنها ونقلها للقاري بحسب علاقتها بالمؤلف وتا ثيرها فيه سلبا وايجابا، ورغم أن كتاب صلابة القيد قساوة الروح، ربما يصنف من كتب السيرة الذاتية، لكن مؤلفه يمنح فرصا كبيرة ومتنوعة ليتحدث عن أخرين أكثر مما تحدث عن نفسه وسيرته وتجربته وهنا بعض منهم .

درغوت ميزران

     درغوت ميزران شخصية من شخصيات صلابة القيد قساوة الروح، أحببتها جدا، ربما أكثر من حب عبد العظيم لها، ولم أتمكن من فهم كيف تمكن درغوت من فرض سطوته واحترامه على سجن الجديدة كله بما فيه من سجانين ومساجين، وغاب عن المؤلف ان يشير ولو بقليل من الضوء على الشخصية التي تنافس درغوت على زعامة السجن ، فلم يذكر أسمه وحالاته ولم يحدد للقاري نوع شخصية المنافس الوحيد لدرغوت وهل وضعه في السجن مقارب لوضع درغوت بخروجه المتواصل من السجن وعودته القريبة اليه في فترات متقطعة، وهذا يعزز من شخصية درغوت التي احترمتها كثيرا بما فيها من نبل تجلى في أسمى معانيه حين عفا عن ابن السنوسي الذي لم نعرف ماذا فعل لدرغوت ، حتى التجأ لعبد العظيم ونجا من سطوة درغوت .

عبد العزيز الغرابلي

     حظيت هذه الشخصية المميزة بإهتمام خاص من المؤلف ،فأهداه الكتاب وتحدث بمودة وحب عنه وعن علاقته المميزة معه منذ طفولته وخلال سجنه فيقول عن صديقه المرحوم المعجب بشخصيته أشد الاعجاب : (لقد أحببته كثيرا كإنسان ولما له من خصال أحبها الجميع فيه، كان طيبا شفافا متواضعاً وبسيطاً خدوما ً ومحبا للجميع ،أحببته كمناضل وطني، لقد كان مثقفا ومفكرا ً كبيرا ً بدون ادعاء، وتقدميا ً صلبا ّ. حديثه محبب ومقنع ً، كان فناناً كبيرا، رساماً ونحاتا ً وخطاطا )

     تم يمضي المؤلف مخصصا مساحات مهمة ليتحدث عن صديقه الذي يقترب ان يكون بطلا للكتاب وحكاياته، فعبد العظيم يكتب تفاصيل التفاصيل عن صديقه الغرابلي كيف يتمشى ويمارس الرياضة وكيف يرسم وكيف هو ودوداً مع الجميع ،وأكثر ما شدني بألم ما كتبه بألم أيضا عن مرض صديقه الغرابلي ومعاناته وصبره وتكتمه عن مرضه الخطير، وتفاؤله وابتساماته وكيف غادرهم محمولاً على كرسي ثم لم يروه بل سمعوا بخبر وفاته من زوار السجن .

مفتاح الشارف

       مفتاح شخصية مختلفة جداً وردت في الكتاب ، قال عنه المؤلف أنه أقدم سجين واستعرض مراحل سجنه النضالي من أيام المملكة الى أيام القذافي ويبرع المؤلف في وصف شخصية مفتاح بدقة متناهية ،مستعرضا أحوال مفتاح النفسية ، ومحاولة الكاتب أخراجه من الحزن الذي يعتصره بسبب أنتحار صديقه وفقدانه له، وكذلك محاولته المستمرة في أن يخرجه من عزلته ،تم يفاجئ قباصة القاري بأنه أضطر ان يترك مفتاح بعد أن بدأ يتعافى لينتقل لقسم أخر من أقسام السجن.

عبد الحميد المحيشى

        بحسب الكتاب فأن المحيشي سجين ساسي تقابل معه المؤلف في سجن الجديدة المخصص للسجناء المتهمين بارتكاب جرائم جنائية مدنية لا علاقة لها بالسياسة ، لذلك كان في السجن لا يتحدث إلى أحد ولا أحداً يتحدث إليه ،وحرص المؤلف ان يحادثه ويعرفه بنفسه ، ونجح في ذلك لمعرفة المحيشي السابقة ببعض أقارب المؤلف الذين يعرفون المحيشي جيداُ ،وتدريجيا أصبح صديقه ويزود المؤلف بمعلومات مهمة عن نظام السجن وطبيعة السجناء

مجتمع السجن

      في ثنايا صلابة القيد قساوة الروح، تتعرف كقاري بشكل كامل وواف، عن مجتمع السجن، وترسم في مخيلتك أقسامه وزنازينه، وتتعرف على نزلاء كل سجن ،وكيفية تقسيمهم وأعاده تقسيمهم الى مجموعات مختلفة، بحسب فترة محكومياتهم ،أو بحسب انتماءاتهم السياسية ، فتتعرف على سبب سجنهم وتعيش مع الكاتب أجواء مختلفة في كل سجن بل في كل قسم من أقسام السجن الواحد ،ومقارنات تتداخل فيها الهندسة حول تصميم السجون، والفروق بينهما مع الالفاظ العذبة التي ينتقيها الكاتب ببراعة، فترتسم الصورة في ذهنك كاملة، حتى تتخيل نفسك أحد المساجين، فتختلق عراكاً من أجل كسرة خبز،أو رشفة شاي، أو تحتفل بعيد ميلاد أو بعودة سجين لقسمه بعد نقله لقسم أخر .

      نجح عبد العظيم قباصة، أن ينقل بشكل مختلف بعض فوائد هذا السجن، وينقل بشكل غير مبالغ فيه كيف تحول أحيانا إلى ما يشبه المؤسسة العلمية من حيت المناقشات والمناظرات وامسيات الشعر ودروس تعلم اللغة وغيره من المناشط ذات الفائدة القصوى ،ولم يغفل الكاتب ان ينقل قصة حصوله (طريحة) (بخيط الكاو) التي لم ينساها، فينقلها للمتلقي ببراعة كحدث عابر بسيط لكنه مؤثر وينقله دون ادعاء بطولات او استجداء تعاطف (طريحة) كان لا داعي لها لأنها اتهام باطل له، وهو يحاول تعديل وضع بطانيته النظيفة لتوجه له تهمة محاولة الهرب فيضحك القاري سرا ويتعاطف علنا مع كاتب يكتب بشفافية ونزاهة وصدق ووضوح لأجل وجه الكتابة ، فكسب ثقة القاري مكافأة مستحقة يحتاجها .

الافراج وقصة الكتاب

     في القسم الأخير من الكتاب يروي عبد العظيم بإسهاب وفرح قصة الافراج الجماعي في اليوم الذي سمّي «أصبح الصبح» وما سبقها من ترتيبات، وما تلاها من مشاعر فرح الاهل والاصحاب ، وينقل ريبة المساجين قبل خروجهم في ان يشملهم العفو كلهم ،وكيف تغيرت معاملة السجانين في الأيام القليلة التي سبقت الافراج الجماعي .ولم يغفل عبد العظيم أن يحيط القاري علما بقصة صمود مسودة الكتاب التي نجت من التلف والضياع بصدفة جميلة قدر الله لها ان تحدث ،وتكون حكايات صلابة القيد وقساوة الروح شكل مختلف جداً عن أي حكاية أخرى حكت عن تجربة سجن طويل أو قصير.

 سالم ابوظهير

 

ذاكرة معتقل


«ذاكرة معتقل» لصالح الغزال: شهادة تاريخية تكشف تجربة الاعتقال في السجون الليبية

     يسرد صالح الغزال في كتابه «ذاكرة معتقل» (منشورات مجموعة الوسط – 2021)، أعوام اعتقاله التي قاربت العقدين من الأعوام (1970 – 1988) في سجون القذافي٬ تجربته الذاتية ويعرضها كشهادة حية للتاريخ٬ خشية من تكرارها٬ وما أصعب من أن نقع في التجربة المأساوية ذاتها مرتين.

 

     يكتب المؤلف في الإهداء: «إلى والدي ووالدتي.. اللذين رحلا عن هذه الدنيا بحسرتهما، وهما يتشوقان إلى رؤيتي..إلى زوجتي وأبنائي واخوتي الذين تجرعوا معي مرارة الفراق..

 

    إلى كل من قاسمنا قهر الاعتقال ووحشة الزنزانة..

 

    أهدي ما استطعت تدوينه من ذاكرة المعتقل»

 

     كتب المؤرخ الليبي سالم الكبتي مقدمة الكتاب وجاءت بعنوان: “طريق نحو الشمس”. يقول فيها: «هذه صفحات ليست عادية.. لقد كتبت بدم القلب، وهي قطعة من تاريخ المعاناة وتجربة سنوات الاعتقال التي حاولت تدمير النفوس لكنها عجزت عجزاً كاملاً عن هزيمة روح الرجال».

 

     ويتابع الكبتي: «مضى السجان إلى ظلام التاريخ، وبقيت التجربة ماثلة في الضوء والنور، وظل صاحب التجربة والمعاناة شاهداً يروي بأمانة وينقل الصور والظلال والألوان لكي تبقى واضحة تحت توهج الشمس ولا تزول من تفاصيل التاريخ».

     وتنتهي المقدمة بفكرة إن ذاكرة المعتقل موازية تماما لذاكرة وطن بكامله٬ وستبقى قطعة ثمينة من تاريخه على الدوام.

       في مقدمته يكتب الغزال: «طلب مني العديد من الأصدقاء والأقارب ضرورة تدوين ما علق بذاكرتي من أحداث عشتها وعايشتها خلال فترة اعتقالي التي امتدت لثماني عشرة سنة بسجون القذافي، والتي كانت أشبه بكابوس مفزع مخيف، ولا أخفي عنكم ترددي في البداية للتصدي لهذه المهمة، ولم أجد في نفسي القدرة والجرأة على الكتابة التي لم يسبق لي أن مارستها أو فكرت فيها، ونزولاً عند رغبة هؤلاء الأحبة، قلت في نفسي، وما الضير في ذلك، فأنا لا أود الكتابة في عمل فني إبداعي يتطلب أدوات لا املكها وأخشى الخوض فيها، ولكني فقط سأتناول استرجاع بعض الأحداث الحقيقية، التي تمت معي أو مع غيري خلال فترة زمنية محددة، وبواسطة أطراف معروفة ومحددة».

       ويضيف المؤلف: «أذكر إني عثرت على كتاب بعد صدور الحكم لكاتب سوري، لا يحضرني اسمه، بعنوان (حصاد السجن) شدني العنوان فقرأته بنهم، إلا أني فوجئت بعد الفراغ منه، أن تجربته العظيمة تلك، التي عاني فيها ما عانى، وقاسى فيها ما قاسى، كانت لمدة شهر واحد، إبان عهد الانتداب الفرنسي، فكان من ضمن ما شجعني على خوض هذه التجربة، فإذا كان هذا الرجل لم يتردد في الكتابة عن تجربته التي لم تتعد الشهر، فكيف أتردد في الكتابة عن تجربة طالت مدة ثماني عشرة سنة  كاملة».

          يبدأ المؤلف في الفصل الأول من الكتاب في سرد الأحداث بطريقة “الفلاش باك” أي أن المفتتح يبدأ من اليوم التالي لعودته إلى البيت بعد ما يقارب عشرين سنة من الاعتقال. ثم يعود بنا بالذاكرة إلى يوم الاثنين٬ الأول من سبتمبر من عام 1969 وهو اليوم الذي وقع فيه الانقلاب على النظام الملكي في ليبيا، موصلاً سيره في مسار الحياة عبر سنوات الطفولة وإعلان الاستقلال والدراسة في بلدة الأبيار والانتقال إلى بنغازي، ثم الانقلابات العسكرية.

        الفصل الثاني جاء بعنوان: “مفاجأة غير متوقعة” يستعرض فيه عن التنظيمات داخل الجيش الملكي ليلة وقوع الانقلاب، أولى المحاولات الانقلابية ضد القذافي، ثم تشكيل الحكومة برئاسة القذافي لتكشف بعدها القضية وتبدأ الاعتقالات، والتحقيقات المرافقة لها والزنزانة الانفرادية، والمثول أمام المحكمة، لتشن السلطة تالياً حملة اعتقالات جديدة، ثم يعرج على الخروج من زنزانة الحبس الانفرادي.

      في الفصل الثالث يتابع المؤلف سرد تفاصيل أخرى منها، صدور الأحكام، النقل للسجن المدني في مدينة بنغازي، العودة إلى سجن طرابلس العسكري، وانطباعات وروايات عن شخصيات عديدة داخل وخارج السجن، محاولة انقلابية أخرى على نظام القذافي عرفت بمحاولة “ضباط 1975” أحوال سجن الحصان الأسود، والهجوم على باب العزيزية.

        يعدد الغزال في الفصل الرابع من الكتاب تنفيذ حكم الإعدام بقادة الانقلاب على نظام القذافي “آدم الحواز وعمر الواحدي” والنقل إلى سجن أبو سليم، ابن أخي بجواري بالمعتقل، المعاملة بالسجن، الرضيع المعتقل، قضية اغتيال أحمد مصباح، تفشي الأمراض ووفاة البعض.

        يروي المؤلف في هذا الفصل عن اعتقال طفل رضيع: “ضحى ذات يوم من شهر السابع من عام 1986، وبينما كنا بالغرفة الثامنة بالقسم السادس بسجن بوسليم، المطلة على ساحة القسم الرابع، وإذا بنا نسمع صوت بكاء طفل رضيع، ويمكنك تصور وقع هذا الصوت على نفوسنا، والذي نكاد نكون قد نسيناه فلم يشنف آذاننا منذ زمن طويل. كانت الكوة المطلة على الساحة عالية لدرجة لا يمكن الوصول إليها لمعرفة مصدر الصوت، أوقفنا أحد الأسرة وصعد أحدنا يصل بالكاد إلى تلك الكوة، ويا لهول ما أخبرنا به، كانت هناك سيدة مرضعة تجلس بالساحة تحت نافذة الغرفة التي نقطنها، يظهر أنها معتقلة لأمر ما وبحجرها طفلها الرضيع. صاح صاحبنا: “يا جماعة، رأيت أصغر سجين سياسي على وجه الكرة الأرضية”. تأثرنا كثيراً لهذا المشهد الذي لم نتعود رؤيته في ليبيا من قبل، ولم نعد نرى تلك السيدة أو نسمع عنها شيئا ولكن هذه الحادثة ظلت محفورة في الذاكرة.

      في الفصل الخامس يتناول المؤلف عملية الإفراج عنه ومغادرة السجن، والظروف التي مر بها بعد زيارته مدينته لأول مرة، ثم الاستدعاء مجدداً للأمن الخارجي٬ وسفره للعمرة.

    خاتمة الكتاب كانت تحت عنوان: “لن تخرس التاريخ” كتب المؤلف: “سبق أن ذكرت أنني كنت من بين من عارضوا القذافي منذ ساعاته الأولى وكانت معارضتي لنمط الحكم الذي أعلن عنه، والطريق الذي سلكه للوصول للسلطة، وليس لشخصه الذي لم يتضح بعد لاختفائه خلف إدعاء الفضيلة والبساطة والورع والتقوى، وما أن تمكن حتى كشر عن أنيابه وأسفر عن وجهه الحقيقي ورغبته الجامحة في التسلط واختزال الوطن في شخصه فبدا عهده بتعطيل الدستور والقوانين وحل كافة المؤسسات التشريعية والرقابية ليطلق ليده العنان في اتخاذ ما يراه من إجراءات ظالمة تعسفية، تأميم الشركات والممتلكات الخاصة، ومصادرة الحريات وإغلاق الصحف وتكميم الأفواه”.

     ويختتم الكتاب بخلاصة ما تعرض له المعتقلون خلال تلك الفترة، والتركيز على الأهم دون المهم، مشدداً على إنه كفى ووفى ولم يترك شاردة ولا واردة ألا وذكرها وتطرق إليها.

يضم الكتاب أيضاً ملحق صور يحوي بعض الصور الشخصية للمؤلف وعائلته، وكذلك صور وقصاصات صحف ليبية تحمل عناوين وصور المتهمين في قضايا المؤامرات٬ وتتطرق للتحقيقات والمحاكمات والنطق بالحكم في تلك القضايا.

     لم يكن المؤلف بعيداً عما حدث، لم يكن مجرد متفرج صامت، كان في قلب الحدث وجزء رئيسياً من معاناة صعبة استمرت سنوات ثقيلة بطيئة، في تجربة تجعل المتلقي يتعاطف معه بشكل كبير، بعد أن سردها بطريقة جعلت من الكتاب وثيقة دامغة لسنوات داخل السجون الليبية لأصحاب رأي، ولآخرين حاولوا تغيير النظام بنفس الطريقة التي قفز بها للسلطة.

    هنا يبرز سؤال ملح، وهو: هل كان ضرورياً ممارسة كل هذا العنف والتعذيب لأشخاص عزل، ليس في قدرتهم فعل شيء وهم في داخل معتقل عالي الأسوار؟

     مع نهاية قراءة هذا الكتاب – الوثيقة، الذي يدوّن فيه المعتقل السابق في سجون القذافي٬ صالح الغزال مذكراته، نكتشف الواقع الأليم، والحياة داخل المعتقل القريبة من الموت. يمضي القارئ متتبعاً الأحداث من دون أن يغيب عن ذهنه بأن ما يقرأ ليس خيالاً٬ بل هو واقع مأساوي ليس في السجون والمعتقلات الليبية فحسب٬ بل في جميع السجون العربية.

 

عبدالسلام الزغيبي: كاتب ليبي

رابط  تحميل الكتاب

 

 

الأربعاء، 18 يونيو 2025

مذكرات سجين ليبي – أربعة عقود داخل الزنزانة.

 


 

       في غرفتي في ذات الفندق ، شرعت في قراءة ما ظننته ، كتاب عن ادب السجون ، لأتفاجأ بشيء اكثر اتساعاً واختلافاً ، فالنص ليس محض نص واحد ، بل مجموعة نصوص متجمعة بطريقة مذهلة ، لتكون نصاً متماسكاً ، كتماسك الجدار ، بالرغم من أن تشبيه كتاب عن السجن بتماسك الجدار فيه مفارقة، انما الكتاب كان رصيناً للغاية ، جدياً يبحث عن اللحظة التي وقعت قبل أكثر من اربعة عقود في أحيان كثيرة. أثناء قراءتي وجدت بأن النصوص تتظافر بإحكام من سيرة ذاتية ، إلى مقالات واقعية، حوارات ، تعقيبات على مقالات لا تقل روعة وإفادة ، تواصل مذهل فهو كتاب في التاريخ ، النقد والسياسة ، مكتوب بلغة ادبية رفيعة تستفيد من بعض أفضل الكتابات العربية ، ابن حزم، عبد الرحمن منيف ، جبران خليل جبران ، الطيب صالح.

 

        اكتشفت في هذا الكتاب الكثير ، كما وجدتني اعود في بعض صفحاته إلى سنوات كانت خلالها القبضة الأمنية تسيطر على كل شيء ، حتى فضاء الانترنت ، وراء احدى الشاشات في احدى مقاهي الكافي شوب وأنا أقرا في تلك المقالات ، ربما مرت علي كلماته ، لنها تبدو مألوفة لي ، تحمل رهبتها كما هي من تلك الأزمان الجبروتية ، خطورتها ، خامرني احساس بين النشوة والرعب المتأخر ، كما شعرت بالسعادة ، كون هذه الكلمات ضربت في جسد العقيد ، قبل أن يفقد سلطانه ، العقيد الذي اخضع بلادنا بالكلمة ، باعتباره السلاح الأكثر فتاكا ، الأكثر تأثيراً فيه بالتالي ، سالم الفزاني ، سالم العالم ، اسماء مستعارة حملت شخصية الكاتب لسنوات ، حتى اربكت مكاتب المخابرات ، كما لا بد اعتبروا كشفه نصراً لا يعادل ، وذكاء لا يفوقه أحد. إنما كلماته حتى بعد سقوط النظام البوليسي لا تزال تحتفظ برهبة غريبة، لا بد أن كاتبها فخور بها وبما قدم.

 

       هذا ما كنت اشعر به لدى قراء مدونته ، الفخر بكون هناك شخص يكتب عن معاناتهم ، بطريقة ادبية رفيعة ، سمرة اخرى ازدادت دهشتي ، حين وجدت في الردود اصحاب مدونات كنت أتابعها في تلك الفترة ، دون أن أعي سطوة ما كان يجري ، المعارضة السياسية مفهوم فقده الليبيون مع فترة الحكم التي تلاعب بها على ذاكرة الشعب الجماعية ، في تصورهم ربط نفسه بأمر مقدس لا يمكن تصوره على الاطلاق كونه بشراً عادياً ، لذا لا يمكن معارضته أو التفكير في معارضته ، الشعب الليبي مع السنوات اعتبروه ككارثة طبيعية ، زلازل ، عواصف رملية ، موت ، اعتبروه قدراً لا يمكن مطلقاً الفكاك منه.

 

   أن يعارض أحد بالكلمة ، أمر نادر الحدوث ، كل من فعل ذلك حفنة من الشجعان يمكن عدهم على اصابع اليد ، تجمعوا في تعقيبات مذهلة تحت مقالة رائعة عنوان : أمبراطورية ليبيستان ، تحت تلك المقالة تجد أصوات من زواويستان ، توبكستان ، ترهونستان ، طرابلستان ، بنغازيستان كما تجد أسماء رائعة كالأستاذ ابراهيم قصودة يرد علي بعض المقالات باهتمام شديد ، لما فيها من جدية ، لكنها جدية قادته إلى الزنزانة وهي نتاج ثلاث سنوات كاملة من الكد والكتابة ، في زمن كانت الكتابة تبدو مهيبة جداً ، خصوصاً تلك التي تلتزم بالهجوم على ديكتاتوري مثل القذافي ، أنهك العالم في محاولة فهم ، كما يئست قوات الكبرى من حكمه الغريب والمشين والانتقامي . يقول الكاتب في ص 172 ما يلي : أن يقارع مفكر أو مثقف أو كاتب بقلمه طاغية بغية أن يصرعه ، خيار قل رواده في زماننا على ما يبدو . إنه اختيار موفق من الكاتب ، يعبر عن رؤيته لمجتمعه ، الساكت . هذا الكتاب بالنسبة لي اكتشاف لا يمكن تصوره ، عرفت منه اشياء كثيرة ، لا أستطيع أن أتحدث عن كل شيء فيه فهو متسع جداً بحيث يمكن اعتباره وثيقة شاهد على تلك الفترة ، ولا شك أن وزارة الثقافة والمجتمع المدني ، كانت موفقة في طباعة هذا الكتاب ، الذي أتمنى أن يقرأه الناس بصبر ، لاكتشاف ما فيه ، فمنذ قرأت الفصل الأول ، حتى قررت أن تكون قراءتي للكتاب بطيئة ، متأنية ، للإحاطة بكل ما فيه ، لأنه يستحق كل الاهتمام.

شكري الميدي أجي

جماليات البناء السردي في رواية طريق جهنم

 


     بعد رحلة بحثٍ طويلة قاربت الأربع سنوات ، تخللتها محطات صعبة مرت بها الباحثة خلال إنجازها لهذه الدراسة كان أكثرها صعوبةً غرق بيتها ، وفقدان جيرانها ، وأقاربها في فيضان مدينة درنة المأساوي ، أتمت اليوم الباحثة دراستها على صورة مرضية جدًا بالنسبة لي بصفتي مشرفًا على هذه الدراسة ، ومتابعا لها.

      هذه المقاربة النقدية ولدت في ظروف استثنائية في نظري ، فقد عرفتُ بطل رواية (طريق جهنم) الأستاذ علي العكرمي الإنسان قبل أن أعرفه بطلًا لهذه الرواية ، وذلك قبيل أن أطلع على متنها السردي ، عرفته أولًا عبر الإعلام عندما سرد حكايات سجنه التي تفوق حكايات ألف ليلة وليلة زمنًا ، وفنتازيا ، وماساويةً وإن شئت ساديةً ، هذه الحكايات المفزعة التي اختلط سردها بدموع السارد والمسرود له في آن واحد قد ألهمت كاتبًا مبدعًا وهو الروائي أيمن العتوم بأن يكتب نصًا حاول من خلاله تصوير مشهدية الرعب في سجن (بو سليم) الرهيب ، وكان بارعًا في تجسيد مأساوية الحكاية ، وبارعًا أيضًا في رسم شخوصها وحكاياتهم المتشظية ، تلك الشخصيات التي لم تبرح مكانها المغلق الذي أجبرت على البقاء بين جدرانه السوداء ، غير أنها حلقت في آفاق بعيدة أكثر رحابةً واتساعًا عبر وعيها ولا وعيها ، وعبر ذاكرتها التي تختزل آلاف الحكايات المتفرقة ، حكايات تعود بتلك الشخصيات إلى حياتها قبل مرحلة السجن ، زمن مراتع طفولتها وأيام شبابها.


 

     رواية تعددت فيها الأصوات ، واختلفت الأفكار ، والرؤى ، والأيديولوجبات ؛ غير أنها اتحدت في قسوة التجربة ، وقهر الواقع ، ووحدة المصير ، وكانت شخصياتها أجسادًا متفرقة تعيش بروح واحدة ، وتجلد بسوط واحد.

      بعدها عرفتُ العكرمي  بوصفه إنسانًا قد حوله الظلم والعسف من حالة الحلم بالمستقبل إلى حالة تذكر الماضي واسترجاع مآسيه ، بعد أن فقد من عمره زمنًا طويلًا في غياهب السجن بين مرحلة الشباب حينما ضمه سجنه لأول مرة ، وفترة كهولته عندما خرج حرًا وقد تسربت أجمل سني عمره من أصابع الزمن الهارب، تجربة إنسانية قاسية تجسدت في شخص العكرمي ورفاقه في الواقع وفي المتخيل السردي أيضًا ، ولكنها لم تكن حكرًا عليهم ، فهي أكثر اتساعًا وشمولًا ؛ لأنها تجربة شعب بأكمله قاساها نصف قرن تقريبًا.

     جميعنا عاش تلك الفترة بمرارتها ، سواء من كان في السجن الصغير بوسليم أو السجن الكبير ليبيا ، معايشة تلك التجربة دفعتني إلى الاهتمام بتلكم الرواية التي تجاوزت واقعيتُها الحدَّ الذي تفقد معه بعدها التخييلي ، فشخوصها ، وأماكنها ، وأزمنتها كانت تصويرًا مرآويًا لما كانت تخفيه جدران السجن خلفها ، هذا الاهتمام انتقل من دائرة الإعجاب بجمالية النص بوصفي متالقٍ محايدٍ له إلى محاولة مقاربتها نقديًا أو قراءته وتحليل بنيته السردية عبر توجيهي للباحثة بأن تفرد دراسةً أكاديميةً لهذه الرواية وقد كان .


Emad Khaled Alhusk

قصة من رعب الطغاة

    زمان كنت بمعرض دمشق الدولي للكتاب ايام الهارب بشار.جلست صحبة اصدقاء من الكتاب والناشرين السوريين بمقهى بأرض المعرض قبيل الغروب قالت ناشر...