الجمعة، 26 ديسمبر 2025

عن مقالة ابوشناف .. والتنمر الفيروسي

 


 

     طالعنا الاديب .. سجين الراي ، الرفيق منصور بوشناف ، هذا المساء بمقالة تستذكر معاناة سجناء الرأي بالأمس كما اليوم ، في محاولة لسبر اغوار الماضي المؤلم ، ومدى امكانية الخروج من عنق الزجاجة ، وان لا تغيب عنا جهود اولئك الذين ناضلوا بالكلمة ، ودفعوا ثمنا باهظا لا تعوضه اموال ، واختار محنة الرفيق " على العكرمي " الذي ظل ثلاثون عاما سجينا خلف اقبية الزنازين ، انموذجا ، والعبر التي يمكننا استخلاصها من تجارب هذه الفئة التي قارعت الاستبداد بالكلمة في اوج رعونته .

      كنت اتوقع ان التعقيبات سوف تحمل عبرة حزن واسى على ماض مظلم ، ومؤازرة لأناس ذاقت عذابات السجن والبعاد والحرمان ، واصوات تنعي الواقع وتطالب جبر الضرر وتكريم هذه الفئة المنسية . تدشينا لمدونة حقوق الانسان في التعبير عن رأيه في كل المراحل والازمان .

     للاسف ، جاءت بعض التعقيبات مخيبة للآمال ، ولا يمكن ادراجها سوى في خانة ، " ورم استعصى علاجه " ، او في باب التنمر الفيروسي الامبرر ، لكنها في ذات الوقت نضحت بما يمكن وصفه " الاجدوى من اطلاق فرقات التسامح مع هؤلاء " ، وان مقولة " حتحات على ما فات ، فات امد صلاحيتها ، فمهما ذكرتهم بمثالب العهد المنهار ، فإن جوابهم " عنزة ولو طارت " ، ذلك انهم فقدوا السلطة وهباتها التي تمتعوا بها دون غيرهم زمن طاغية العصر ، فلا يروق لهم غير التعبد في محرابه ، تحجرت قلوبهم بقدر الدماء التي سفكت بأيدهم ، واخذتهم العزة بالاثم ، وببساطة ، يمكنك ان تصفهم ، بأشخاص نفعيين ، غير ناضجين ، ولا وطنيين ، وغير واثقين من أنفسهم .. يُقلّلون من شأن الآخرين لمجرد الشعور بالتفوق عليهم .. لذا ، إذا فعلوا شيئًا يؤثر على مسيرة الآخرين ، لن يكترثوا .. هناك قدرٌ كاف من الحقد والأنانية الغير مبررة .. والطريقة الوحيدة للاستشفاء من اوجاعهم ، الإساءة للآخرين ، والتمتع بسلطة من خلال ذلك .. ذلك يمنحهم متعةً سادية . اذ ان معظمهم نفوسٌ غير راضية ومضطربة .. لم يحققوا ما خططوا له .. إنهم بحاجةٍ إلى علاجٍ نفسيٍّ مناسب.

      هذا الوجه المظلم ، لا يقود الى المستقبل المشرق الذي ينشده " ابوشناف " ، لكن ايضا ليس هو الوجه الوحيد ، نلحظ تعقيبات عقلانية تستعشر وخزات الالم في سطور بوشناف ، وما بين السطور ، منها :

      - على عبيد يقول : بينما تهتم الدول المتقدمة بالنخب وتعمل على تنميتها وتطويرها، كان النظام السابق يعمل بكل السبل على تدجين وتقزيم النخب الليبية. قد يبدو هذا الأمر مناقضا للمنطق، لكن من يدرك طبيعة ذلك النظام الصبياني البائس لا يستغرب البتة في كل ما قام به من بطش ومطاردة وسجن وتشريد لهذه الفئة التعيسة. عندما يتعاضد عامل سوء النية مع عامل الجهل، لابد أن ينتج افكارا شديدة التدمير توجه نحو أي فئة في المجتمع لمجرد احتمالية أن تنبت فيها نبتة المعارضة والتمرد. هكذا هي انظمة الاستبداد في كل الدنيا، وهكذا كان نظام الاستبداد في ليبيا. لا يعكر مزاجي شيء قدر ما تعكره ثرثرة السذج وأشباه الأميين الذين يصرون بغباء على أن ليبيا كانت دولة ديمقراطية يحكمها العدل وسيادة القانون.

        - عبدالله زاقوب يكتب : " ليبيا في امّس الحاجة لمثل هذه المراجعات وقراءة الدروس المستفادة " .

      -  نوري العبار ، يكتب : " نعم.. تجربةٌ غيّبتها الصراعاتُ والأزمات ، واختُزلت آلامُها إلى حدٍّ جعل بعضَهم يعدّها عقابًا مستحقًّا لأولئك الضحايا. اضمحلّت قيمةُ التجربة — على عِظَمِها — في نظرهم ، بالقدر ذاته الذي تراجعت فيه قيمةُ الصفح والغفران وقبول الآخر المختلف ؛ وهي أعمقُ ما حملته التجربة من رصيدٍ إنسانيٍّ ومعنوي. إن احترام هذه التجربة الإنسانية يُعَدّ بدايةَ يقظةِ المجتمع ووعيه نحو بناء الدولة ، بكل أفرادها وبمختلف أطيافهم. ولعلّكم، أستاذ منصور، ومَن على شاكلتكم من الأساتذة، ومنهم الأستاذ عليّ، قد استطعتم — بلا شك — أن تتجاوزوا المحنة وتقبلوا الآخر، بوصفكم ضحايا آثرتم الارتقاء بهذه القيمة. غير أنّ الطرف الآخر، ومن خلفه رهطٌ كثير، يبدو أنهم لا يعترفون لكم بذلك، ولا يزالون غير مستعدين لقبولكم حتى الآن؛ وهو ما يجعل الوئامَ عصيَّ المنال إلى يومنا هذا " .

    -    خالد الناجي كتب يقول :  " لكن سياسة حتحات على ما فات في كل مرة تروق للانتهازيين المتلونين وتمنحهم حماية أبدية لا أراها منطقية " .

        اجمالا ، الى اين نحن سائرون ؟ ، والى اين تمضي بنا مركب الوطن ؟ الاشرعة مترعة والرياح عاصفة ، وعلى سجناء الرأي ان يرفعوا اصواتهم قليلا ، وان يصدحوا عبر كل الوسائل الممكنة لتعرية الحقيقة الغائبة عن اجيال ضحية اربعة عقود ونيف من التجهيل ، والهتاف بشعارات فضفاضة تدغدغ اوداج العوام ووجدانهم ، والمبادرة بتسجيل تجاربهم السجنية لإثراء الحقيقة .. دمتم ذخرا للوطن .. وجسر العبور لمستقبل مشرق .

      المقالة تأتي في مناسبة عيد استقلال ليبيا 1951 ..وانعقاد الاجتماع السنوي للجمعية العمومية الأحد المقبل .. واظن أن تدوين التجربة السجنية كل على حده .. شيء يخدم الغرض .. وحلي به أن يدرج ضمن بنود جدول الأعمال.. دمتم

العدالة الانتقالية لا الانتقائية

 



عن العكرمي والبلاد


 

     

      "علي العكرمي" وعبر شهادته التاريخية الهامة عن تجربته السجنية الطويلة " يعيد لسجناء الرأي الليبيين " معنى معاناتهم ومكابداتهم المريرة والطويلة ,  بعد ان غيبتها الصراعات والاحداث ,  بل وجعلت حملات من النكران احيانا تلك الآلام عقابا مستحقا لأولئك الضحايا ,  فقد حمّل الرأي العام الليبي في غالبه ما حصل ويحصل في ليبيا من خراب واقتتال لاولئك المساجين , الى جانب العائدين من الخارج  "كما يسمي الليبيون "  المعارضة  التي كان افرادها مطاردين  برصاص فرق الموت الليبية في كل اصقاع العالم  .

      العكرمي ينقل تجربة اجيال من المقاومة الليبية للقمع والاذلال , والاهم يقدم صورة لما ال اليه مصير نخب في ذلك الوقت من السياسيين والمثقفين والمتخصصين من تدمير وقتل , ليس لهم كأفراد فقط , بل لمستقبل بلاد كانت تسعى كغيرها من بلدان العالم المتخلف للنهوض واللحاق بمواكب العصر .

       ما قدمه العكرمي عن السجون الليبية لم يكن صادقا وشفافا فقط بل كان "واعيا ومدركا" ليس لحجم عذاباته ومعاناته , بل لمعنى تلك العذابات والآلآم , كان قادرا على وضعها في مسارها باتجاه مستقبل افضل للبلاد والعباد , كان راعيا عارفا وعطوفا لحبات بذر بذرها اولئك "الحكماء " كما سماهم , في حقول ليبيا وروتها دماء شهداء , ودموع ثكالى  .

       تجربة العكرمي ومئات من سجناء الرأي الليبيين , كان احد اهم دروسها "حسب ما اورده العكرمي في شهادته " هو " قبول الأخر  المختلف فكريا " بل والنظر اليه كشقيق ولدته الآم ليبيا وشريك في الزنزانة والقسم والوطن وفقدانه يمثل فقدان الشقيق والرفيق .

الاعتراف والقبول والاندماج مع الشقيق المختلف فكريا اهم دروس تجربة السجون الليبية والتي عشتها كما عاشها كثيرون غيري وكما رواها العكرمي والتي وبكل اسف فشلنا في ايصالها الى مجتمعنا الذي كان ولا يزال في امس الحاجة لمعرفتها من اجل سلم وتماسك اجتماعين وهما اهم اركان بناء الدول ونهوضها من كبواتها التاريخية .

الليبيون ورغم تجاربهم التاريخية الثرية والملهمة , ظلوا عاجزين عن استلهام الحلول لمشاكلهم وصراعاتهم وحتى حروبهم الاهلية المنهكة والمدمرة من تلك التجارب , ظلت تلك التجارب احداثا وحتى الآما منسية , ظلت كمثل ثروات ليبيا مهملة ولا يستفاد منها , بل وأحيانا يحولونها الى سلاح دمار, كما يفعلون الآن بثروة النفط .

تجربة الملك ادريس بعد الاستقلال كانت تجربة شديدة الوعي بالماضي , كان ثروة قومية يجب استخدامها لبناء المستقبل , لذا طرح مباشرة مبدأ الصلح الاجتماعي من اجل بناء دولة متماسكة وقادرة على تخطي عقبات ماضيها , كان القبول بالأخر وان اختلف وان اخطأ الخطوة الاولى لبناء دولة المواطنين بمختلف اطيافهم ومختلف اخطائهم , كان الصلح والتماسك الاجتماعي اههم اركان تأسيس الدولة .

       تجربة سجناء الرأي والمعارضين ثم تجربة المتحاربين في كل مراحل تاريخنا الحديث , نحتاج الآن ان نستلهمها وان نوظفها لرتق ما تمزق من نسيجنا الاجتماعي من اجل بناء دولتنا ومستقبلنا , فبدون الوصول لتلك الصيغة , لذلك العقد الاجتماعي الذي وصل اليه الليبيون بقيادة الملك ادريس , ووصل له السجناء الليبيون في معتقلاتهم وجعل الحياة ممكنة مع المختلف , والبناء معا لترسيخ قيم المواطنة , لن تكون البلاد بلادا , ولن تكون الدولة دولة .

      التجربة الليبية المريرة التي وصل فيها الليبيون الى اعتبار الليبي الاخر عدوا واعتبار الاجنبي شقيقا وحليفا , واستعان فيها الليبي بالأجنبي لذبح الليبي الاخر , ليست إلا انتحارا جماعيا لكل الاطراف , انتحار شعب كامل , ودمار مشروع دولة

       الليبيون على شفا العدم , اما نتوقف عن هذا الانتحار وإما ان نسحق ونتناثر نتفا تذروها الرياح , اما ان نستلهم تجربة ادريس والمعتقلات الليبية او تجربة الارهاب وقتل الشقيق ثم الانتحار . 

نشر ببوابة الوسط

منصور بوشناف

نشر ببوابة الوسط


علي العكرمي ثلاثونعاما خلف القضبان



الأربعاء، 17 ديسمبر 2025

مذكرات سجينة ليبية

 


منى الجرنازي

نبذة:

إلى جانب السجناء ، سجينات وإن قل عددهن إلا أن لنضالهن عظيم الأثر، قدر الله أن أكون إحدى السجينات في تلك السجون لمدة أربعة أعوام تقريبا.

إن أعوام سجني تمتد - في ذاكرتي فأتذكر أعوامها عاما عاما و شهورها شهرا شهرا. و أسابيعها أسبوعا أسبوعا.

وأيامها يوما يوما. بل أتذكر ساعتها ساعة ساعة. و أكاد أتذكر لحظاتها لحظة لحظة.

أتذكر الزنزانة وزواياها زاوية زاوية. أتذكر صرير الباب وصراخ السجان. ولكن أكثر ما أتذكر.. أتذكر رفيقات دربي رفيقات التعاسة والشقاء وفي مقدمتهن أمي رفيقة المحنة والسجن والتي عاقبني الأنذال بحبسها معي ليهزني إليهن - حنيني هزا... أتذكر ذلك فانظر إلى نفسي بنوع من

الزهو لأني عشت كل ذلك. أنا لست بكاتبة وإن كنت قارئة جيدة ولا أظن إني أتقن فن الكتابة و لم تراودني فكرة الكتابة إلا حين تعرفت على الألم وجها لوجه، فكرت كثيراََ في الطريقة التي أكتب بها رحلة عذابي وفي من سيكتبها والطريقة التي أوصل بها معاناتي فلم أجد غير القلم ولم أجد أفضل مني.

نعم فلا غيري باستطاعته نقل مشاعري بصدق ولا معاناتي كما هي . فمن غيري يستطيع وصف حنيني... شوقي.. وأنيني. من غيري يصف غربة الزمان.. وحشة المكان وظلم السجان

إهداءٌ لا يُنسى… وقراءة لا تُنسى

 


حين تهديك السيدة الفاضلة منى الجرنازي كتابها، فهي لا تهديك أوراقاً بين دفّتين، بل تسلمك قطعة من روحها، ووجعاً  نُقش بالحبر والدمع، وذاكرةً لا تقدر بثمن .

 أن تقرأ الكتاب  كقارئ شيء، وأن تقرأه كهدية من صاحبته شيء آخر تماماً. إنه شرفٌ  ومسؤولية وجدانية تُلزمك التعايش مع القصة، لا بالقراءة فقط.

هذا الكتاب ليس مجرد شهادة، بل صرخة أمّ، ووثيقة، ومرافعة إنسانية باسم كل من سُلبت حريته، لا لذنبٍ اقترفه، بل لأنه بكل براءة تصرف بإنسانية بحثة.

ما شدني للكتابة هو التفاصيل والغوص معها  في قلب الحدث  لتُبقي الذاكرة حيّة، و كأنها تقول :

 "نحن هنا… عشنا، تألمنا، ولم ننكسر".

ولهذا أؤمن أن أصدق من يروي المعاناة هو من عاشها بنفسه، لا من تخيّلها أو صاغها بأسلوب أدبي متقن.

هذا ما وجدته جلياً  في كتاب السيدة الفاضلة منى الجرنازي ،كتابٌ لا يُملّ، بل يُقرأ دفعة واحدة وكأنك تعيش اللحظة

  السرد بلغة بسيطة تلامس فيه  صدق التجربة و المشاعر  يجعل منه شهادة إنسانية ، تنبض بالألم والأمل .

ولا تكتمل هذه الحكاية دون ذكر من حملوا الألم بصمت  

 

Aya El Badri

قصة من رعب الطغاة

    زمان كنت بمعرض دمشق الدولي للكتاب ايام الهارب بشار.جلست صحبة اصدقاء من الكتاب والناشرين السوريين بمقهى بأرض المعرض قبيل الغروب قالت ناشر...