كان القاطع الثاني، في عام 2016، يعجّ بالزوار؛ فما تغرب شمس نهار حتى يدخل علينا عشرات الوجوه، يدفعهم السجّان، معصوبي الأعين، متعثري الخطى، لا يدري أحدهم إلى أين يُساق، ولا ما الذي ينتظره. وجعهم واحد، وهمّهم واحد، ولكن لكلٍّ منهم حكاية وقصة.
وكانت الزنزانة (1) تحمل في رحمها القذر خمسةً وستين إنسانًا، يتكورون في أحشائها، جُمعوا وعُجنوا في مساحة لا تتجاوز عشرين مترًا مربعًا. يتهافتون حول نافذة عمشاء، يبحثون عن فقاعة هواء تنعش أرواحهم. كانت أجسادهم متلاصقة، وأطرافهم متداخلة، وأقدامهم متشابكة، ووجوههم متقابلة، يتبادلون الأنفاس والزفرات؛ منهم من يغطّ في سبات ثقيل، وآخر نائم بعين هامدة كأنه دلفين، وثالث يحلم أن شاحنة أفرغت عليه حمولتها من الخبز الطري فيختنق، ثم يكتشف أن إحسان السمين وضع رجله على صدره.
والباقون واقفون على رجل واحدة، كأنهم طيور مالك الحزين، يحملون المصاحف، ويتبادلون الأخبار، ويحكون القصص، ويخيطون المخالي، ويرقّعون القمصان، ويسبّحون الله بخيوط معقودة مئة عقدة، وينتظرون الأذان والكازان.
وفي المساء، تتوقف «التوكات»، ويُمنع الرقاد، وتبدأ استراحة لتوزيع حصص الماء، والتزاور، وتفسير الرؤى، وسرد الحكايات والطرائف، وحل الخصومات، ثم تُفتح أبواب السوق للمقايضة: قميص مقابل مربى، وجورب مقابل وسادة، وجاكيت جديد مقابل رغيفين، وقطعتا جبن مقابل طرف «شامية»، وسروال جينز مقابل هَرْكة نوم، ومنشفة مقابل مسمار حائط.
مجموعة عمار تنهي الصفقة مع مصطفى:
— الإفطار أسبوعًا بأسبوع، اتفقنا.
ويبدأ جمع الحصص بعد اليوم السابع: المجموع ثلاثون فردة خبز، وعشرون قطعة مربى، وعشرون «شامية»، وعشرة «شمعدان ماوكلي»، وهو هشّ وخشنُ المذاق، كأنك تمضغ تبنًا مدهونًا بشراب الخروب.
ويوم التحضير تغمرهم السعادة كأنه يوم عرس. وبعد أن يجففوا الخبز، يُدشَّش باليدين حتى يصبح ناعمًا، يُسقى بالماء، ويُخلط ويُعجن بالمربى، ويُضاف إليه «الشمعدان» المطحون، وتُهرس عليه «الشامية»، حتى يصبح الخليط عاقدًا خاثرًا، قريبًا من كيكة البوبس (Cake Pops). ومع الغروب، يُترك الطبق مغطّى عند النافذة ليبرد ويتماسك.
وفي منتصف الليل، ينخزون بعضهم بأصابعهم، فينهضون وعيونهم مكحّلة بالنعاس، ويخلعون لباس الجوع، ثم ينكبّون على قصعتهم، فيأكلون ذلك العصيد، الحلوَ مذاقًا، والساحرَ قوامًا. يلقون باللقم متسارعةً في أفواههم اليابسة، فتمضي إلى الحلق ليّنةً وباردةً، ثم تنساب إلى الجوف كأنها رُطَبٌ معجونٌ بالعسل والزبدة، ثم تنحدر إلى الأمعاء وتستقر في البطون الخاوية، فتمتصّها العروق بشوق ولهفة، حتى ترشح نواصيهم.
ثم يتناقص الطعام، وتتبطّأ اللقم في الأفواه، وتميل السبابة على حوافّ القصعة، لتلعق ما أمامها، فتمتلئ البطون، وتهدأ الأنفاس، وتعلو الوجوه فرحةٌ حزينة، كأن الجفنة المتهالكة انتزعتهم من صحاري البؤس والجوع، وأعادتهم إلى وطن لا يجوع فيه إنسٌ ولا يعرى.
وفي الصباح، يصاب بعضهم بمغص شديد يمزّق الأمعاء؛ يأتي تارةً على هيئة طعنات تدفع الجسد إلى الانحناء، يصاحبه إسهال ونزلة معوية حادة. تُغسل بطونهم، ثم يعودون إلى الصوم والحرمان، بعد ليلة سُكّرية متخمة تحرروا فيها من شبح الجوع.
وكنتُ أتساءل: كيف تفقد الأشياء قيمتَها بهذه السهولة؟ ولماذا يغيّر الإنسان نظرته إلى الأشخاص وإلى ما يملك عند لحظة الانكسار؟ جاكيت بـ 300 يورو أرخص من رغيفين، وقطعة «شامية» أغلى من حذاء رياضي، ومكعب مربى أغلى من برنوس صوف؛ إنّ كلّ ما نملكه من ثروات يفقد قيمته حين تقلّ الحاجة إليه ويغيب الأمان؛ ففي الشدائد لا تُقاس الأشياء بأثمانها، بل بمدى نفعها وفائدتها لمن يريد التخلص من الشقاء.
الجوع ليس صراخًا ووخزًا ونداءً لشهوة الشبع فقط، بل هو قوة تقلب الموازين، وتغيّر الأشياء، وتقشّر المظاهر، وتعيد ترتيب الأولويات. وليست السلع وحدها التي تتغيّر وتفقد قيمتها في مواسم الظلم والقهر والقمع، بل قيمة الإنسان ومكانته ترخص وتُبخس وتفقد صلاحيتها.
فالجوع قوةٌ تعيد تقييم العالم، وتكشف هشاشته حين يغيب الأمان، والظلم سطوةٌ تعيد تسعيرة الإنسان وما يملك حين تغيب العدالة. فكم من صاحب رسالة سُلبت حريته، وأصبحت كلاب السجّان أكثر منه رعاية ورفاهية؛ وكم من مصلحٍ محا المستبدُّ ملامح وجهه من ذاكرة الناس، وحوّله إلى رقمٍ في زنزانةٍ قفلُها الأبكم أكثر منه قيمةً عند حامل السياط.
قالها لنا الحاج مفتاح ذات مساء، وهو يمسك بعبود زميتة:
— على قدر وزنك يكون حجم الابتلاء، وعلى قدر إيمانك يكون حجم الرضا بالقضاء.
وعمي مفتاح رجل قصير القامة، في وجهه طول، وتحت عينيه ظلّ، قمحيّ اللون، عفويّ المظهر، جماهيري الفكر، متصوّف الروح، يعتمد على نفسه، يحبّ النظام ويعشق التفاصيل؛ صلبٌ ووفيّ، متواضعٌ وكريم، متفائلٌ وعنيد؛ يساعد المريض، ويعطي المحتاج، ويواسي المهموم.
قلت له يومًا ونحن نطوف في اللارية:
— يا عمي مفتاح، سأسألك سؤالين، ومن حقك أن تجيب أو ترفض.
فقال:
— بل أجيبك.
قلتُ -مباغتًا إياه بالسؤال-:
— كم ثروتك التي جمعتها؟
قال:
— بعد خمسٍ وخمسين سنة، ثروتي 900,000,000.
قلت:
— وكم تنفق منها على نفسك في الشهر؟ وهذا مغزى السؤال.
قال:
— أربعة آلاف دينار.
قلتُ:
— إذن، أنت غير مستفيدٍ من هذه الثروة.
قال:
— وكيف؟
قلتُ:
— لأنك لم تجمعها لتعيش بها، بل عشتَ لتجمعها، ولم تُسخِّرها لتحرسك، بل سخَّرتَ نفسك حارسًا لها.
فقال:
— نعم، لم أستفد من هذه الثروة وأنا ضحية لهذه الأرقام، بل لولاها ما طمع فيّ هؤلاء الغزاة. وأرجع لسؤالك: أنا رجل أحب البساطة في الحياة، ولا أحب الفخفخة، ولست أرستقراطيًا مبذّرًا ولا قارونيًا جاحدًا؛ سيارتي وملابسي وأكلي وشربي وسكني متواضعة، بعيدة عن البذخ ومظاهر الترف، ولكني أعطي أسرتي، وأدعم أقاربي، وأكرم ضيفي، ومن قصدني لزواج أعنته، ومن سألني أكرمته، وأقف مع المتعسّر، وأواسي المصاب، وأكفّل ثلاثمائة يتيم... وهذا مكسبي.
وكنت أشاهده وهو ينهض للكازان ويمدّ صحنه، ويرجع بطعام رديء، وقد وزّع زيارته على السجناء، كنت أقول ربما كان يروّض نفسه ويربّيها على التواضع لشيء في نفسه.
وكان مريضًا بالأورثوبنيا (Orthopnea)، جعلته ينام متكئًا على الحائط ولا يستلقي، ويعاني من الضغط والقلب والقولون والمسالك والغضروف. ولم يتجاوز اعتقاله شخصه وأهله فحسب، بل امتدّ أثره إلى الأيتام والفقراء وكل من كان ينتفع بعطائه؛ فالظلم، كأَسْلحة الدمار الشامل، لا يدمّر الهدف وحده، بل يدمّر محيطه وكل من يتصل به. فعندما يُسلب الإنسان حريته، لا يناله الظلم وحده، بل يمسّ أسرته التي تنتظر عودته، وذوي قرباه الذين ينتظرون عونه، وجارًا يحتاج مواساته، ووطنًا فقد عطاءه وجهاده.
وفي ليلة حزينة معجونة بالأسى، كان معي المليونير عطية، حدّثني أنه رجل أعمال بقطع غيار السيارات، وأنه أُصيب بحادث فقد فيه بصره. قال: ذهبت للخارج للعلاج ولا فائدة، فقررت العودة للعمل والوطن، وقررت الزواج. وبعد أكثر من رفض، تقدمت لعائلة، وقلت لخطيبتي إن المحاولة الأخيرة ستكون في أمريكا، ونسبة النجاح قليلة، فهل تقبلين بي زوجًا؟ فقالت: نعم، وسأكون: «أنا عيناك التي تُبصر بهما، ورجلك التي تمشي بها».
وبعد عام عاد إليّ بصري، فتعرّفت على وجهها بعدما عرفت صوتها وطيبها، ورأيت ملامحها لأول مرة. ويومها اشتريت لها طاقم ذهب من دبي يزن كيلوغرامًا، لا يساوي شيئًا أمام وفائها.
وذات ليلة باردة، دخل علينا عامل الخدمات من نيجيريا، واسمه سفيان؛ رجع من تنزيل البلوك والأسمنت، ودخل وهو متسخ الثياب، قد ناله التعب والسرور. وكنت أعتقد أن حكم الأعمال الشاقة للسجناء زيادة عذاب، فاكتشفت أنها في معيتيقة نعمة وواسطة ومحاباة؛ لأن الأسرى يتحصلون على أجورهم، الخبز والعصير والخضار، والحصول على هاتف للأهل مقابل التوسل.
دخل علينا سفيان يحمل كيسًا به حبات طماطم وفلفل وبصل وخبز، وفي يمينه بطانية جديدة؛ بينما كان عطية متكئًا بجانبي، طويل الساقين أَزْوَرُ العينين نحيف الجسد خفيف الثياب، عاري الصدر، حافي القدمين، يرتجف من البرد، وكنا ننام في العراء لا سقف يظلّنا.
فقلت إلى الحاج عطية:
— من المليونير الآن، أنت أم سفيان؟
فضحك وهو ينظر لما يحمل سفيان وقال:
— ما تبي فقي؟ المليونير سفيان؛ فلو باعني البطانية بمليون لاشتريتها!
هنا أدركت أن المال قد يفقد قيمته في لحظة، كما فقد قيمته عند عطية؛ وأن أغنى الناس ليس من يملك أكثر، بل من يجد ما يحتاج إليه ساعة الحاجة.
وفي إحدى أمسيات الشتاء، دخل علينا سجين اسمه الصدّيق، رجل كأنه من سلالة بني هلال، بل جدار يمشي بقدمين؛ طويل القامة، عريض المنكبين، مفتول الساعدين، رقيق الملامح كأنه من بلاد الشام. خطواته ثابتة، ورأسه يكاد يلامس اللمبة. ورغم تلك البنية الشاهقة، كان مهزومًا منكسرًا، وعيناه تحملان الأسى والحسرات. اقتحم علينا الغرفة، وحين أُغلق باب الزنزانة خلفه، خُيّل إلينا أن عددنا قد تضاعف ثلاث مرات.
يومها وزّع علينا العشاء، وصلّينا المغرب، وفرشنا مراقدنا، ثم سمعنا أحد الضباع يعوي:
— طفّئ الضو، خير ما تطلع للجلد!
فطلبنا منه فكّ المصباح، فمدّ يده ولفّه حتى ارتخى، وانطبقت الظلمة علينا دفعة واحدة، فسُمّي من يومها «كابو اللمبة».
وبدأ السجناء يتمددون؛ رأس تقابله أرجل، وساق إلى ساق، وبينك وبين صاحبك قطعة كرتون تمنع الاحتكاك في محيط العفة. وكان نصيب الصدّيق أن يكون جاري، فنزل وتمدد سكينًا، فاختفى مكاني، وما بقي لي سوى ثلاثة أصابع.
حينها قلت:
— يا كابو أشرف، لقد علّمني والدي، وقرأت في المدرسة أن «الصَّديق وقت الضيق»، وليس «الصِّدّيق وقت الضيق»!
فتطايرت برادة الأسى، وضحك من حولنا.
ثم يهمس معتز بعد صلاة العشاء، وقد هبط الجميع والتحفوا بالظلام، ووقف من بقي على رجل واحدة:
— شيخ حمزة، سورة يوسف بالله عليك.
فيصعد حمزة على سطل، ويُخرج رأسه من الشُّرّاحة، ويتلو:
﴿الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾
تنطفئ الأصوات، ويسكن القاطع، وتهبط السكينة.
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۞ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ۞﴾
ترفرف الآيات وتتهادى الحروف، فتخشع الأبواب، وتسبح المزاليج، وتصغي الجدران، وتتبدّد وحشة المكان.
كان حمزة خريجًا من الجامعة الأسمرية، حافظًا لكتاب الله؛ فإذا تلا، انسابت الآيات، وتفتحت الكلمات، وسالت الحروف صافيةً، وترقرقت المعاني حلوةً عذبةً؛ لكل حرفٍ مخرجه، ولكل مدٍّ موضعه، ولكل مقامٍ أثره. كان يرفع صوته قليلًا، ثم يخفضه، فيأسرك صوته، ويأخذك ترتيلةً في رحلة إلى سدرة المنتهى.
فإذا قرأ، انتفضت قلوبنا التي أطفأتها المصائب والأيام، وخُيّل إلينا أن يوسف، عليه السلام، يخاطبنا من قاع البئر: إن المحن ستزول، وإن الزنزانة ستتحول إلى قصر، والسجن إلى وطن، والعصابة إلى تاج، والقيد إلى قوة وعطاء، وبابًا إلى عزة ومجد.
ثم يصل إلى:
﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
فمهما طال البلاء، فإن الأجر عند الله لا يضيع.
ثم يمضي:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾
فيمسح عن أرواحنا غبار الخوف والقلق.
ثم يتلو:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾
الصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه؛ صبرٌ لا يعني أن الألم غاب، بل يعني أن القلب لم يفقد وجهته، وأن المظلوم، حين تضيق به الأرض، يجد في الله متّسعًا.
ثم يصل إلى:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
إليك يا رب نشكو همومنا وضعفنا، فأنت أعلم بحالنا.
ثم يختم:
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾
يا رب، إن لطفك أوسع، ورحمتك أكبر؛ فدبّر لنا فرجًا قريبًا.
لم يكن الشيخ حمزة يتلو القرآن فحسب، بل كان يفتح لنا أبواب الرجاء؛ كان صوته يقول لنا إن بعد الظلم عدلًا، وبعد الضيق فرجًا، وبعد الشدة فرحًا، وبعد الغياب لقاءً، وبعد العسر يسرًا. وكان يعلّمنا أن الليل، مهما طال سواده، لا بد له من لحظة زوال، وأن الظلم، مهما تمدّد، لا بد له من نهاية.
وفجأةً، نسمع صوت غرابٍ قريبًا من بوابة القاطع؛ نعيقٌ حادٌّ يشقّ ذلك الصفاء، كأنه جاء ليعيدنا من رحلة السماء إلى جدران السجن:
— اسكت! قلت لك، اسكت!
ويتكرر الصوت:
— اسكت! قلت لك، اسكت! والله تقرا حتى للصبح مانك طالع.
فيردّ بلكنته البنغازية الجميلة:
— يا شيخ، منقرش بيش نطلع! نا بيدي ما درت عيب.
فيأتيه الرد سريعًا:
— تي، صكّر فمك! امنع الصوت، امنع الحركة!
فينزل حزينًا، يمشي على رؤوس أصابعه، يتخطى جثامين النزلاء، ثم يتجمد في بلاطته.
قلت:
— لا تحزن.
فهزّ رأسه.
قلت:
— لا تنكسر.
فأشار بالنصر.
لقد أحييتنا بالقرآن، وفتحت في قلوبنا نوافذ الأمل؛ لا يمكن للسجّان إغلاقها.
تمرّ الدقائق ثقيلة، كأنها تتدحرج على أجسادنا المتعبة. وعند الساعة الرابعة، تتحرك السلسلة البشرية المعتادة؛ معتز يستلم تسيير الحمام ؛ كل اثنين مع بعض، ثلاث دقائق: إراقة بول ووضوء عالطاير، شباب.
وفجأة، ومن أقصى القاطع، من الغرفة رقم (6)، يزحف صوت «العدولي»؛ رخيمًا، دافئًا، وكأنه ينبعث من قاع بئر، شاقًّا صمت الزنزانة وجبروت السجّان:
«اللهُ أَكْبَرُ.. اللهُ أَكْبَرُ»
لم يكن أذانًا كبقية الأذانات؛ كان صرخة روحٍ تحلّق فوق القضبان، وتتسامى على القيد. كان الصوت نديًّا خاشعًا، فيه من الشجن ما يكسر القلوب، وفيه من العزة ما يرغم الجدران على الإصغاء. تتكسر نبراته عند «حيّ على الصلاة.. حيّ على الفلاح»، فتتداخل معها أنفاس المحبوسين، ويبكي من كان يظن أن دموعه جفت. صوتٌ ، يجعل الزنزانة أصغر من سمسمة،ويحول السجن إلى أوهن من بيت العنكبوت والدنيا إلى لحظة عبور قنطرة لا قيمة لها .
حينها، يقف السجّان عند البوابة، ذلك الذي يتوهم أنه يملك الأنفاس والمصائر، يجمّده الصوت في مكانه. يسقط الحقد من نبرته، وتتراخى يده عن المفاتيح... ينصت رغمًا عنه، يبتلعه جلال اللحظة، وتلتف حوله مهابة النداء العليّ، فيقف مذهولًا كأنه لم يسمع أذانًا قطّ في حياته!
فيطرق رأسه، ويتموج الشك في عينيه الصاديتين، حتى ليخيّل إليك أن الحقد في صدره يذوب ، وأن حسرةً خفية تنهش روحه المخنوقة؛ حسرة من يرانا نملك السماء وهو غريق في قاع البئر ، يودّ لو يستبدل موقعه بموقعنا، ويقول في سرّه المظلم:
«يا ليتني كنتُ معهم... يا ليتني سُجنتُ مع هذا القارئ لأعرف كيف تُفتح أبواب السماء».
و تمضي الأيام، وتبقيى الحكايات شاهدةً على وجعٍ لم يره الناس، ودموعٍ لم يسمعوا لها أنينُنا.
ولست اكتب هنا لأستدرَّ عطفًا، ولا لأُوقظ حزنًا، وإنما لأروي ما عشته، فإن وجدتَ في حكايتي ما يصعب عليك خياله، فلا تتعجب … لأنك لم تكن معي!
#لماذا_اعتقلوني
عبدالحكيم مشري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق