الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

اغتيال عبدالجليل عارف .. روما

 


 

هناك قصص نفضل عدم سردها ، لكونها مزعجة ، قد تقلب الصورة النمطية للعالم رأسًا على عقب ، من زمن ترسخت فيه أدوار الضحية والجلاد ،.

عبدالجليل عارف شلبي.. هرب من ليبيا فلاحقه الموت إلى قلب روما

لم يكن عبدالجليل عبدالله عارف شلبي يتخيل أن الرحيل عن ليبيا سيقوده يومًا إلى واحدة من أكثر نهايات الغربة قسوة.

كان رجل أعمال من جنزور، ولاعبًا سابقًا في نادي الاتحاد، جمع بين التجارة والمقاولات، وكان مديرًا وشريكًا في شركة «ليبيا للاستيراد» مع رجل الأعمال الراحل إبراهيم بورقيبة، صاحب نشاط وتوكيل سيارات بيجو في ليبيا.

ثم تغيرت قواعد اللعبة.

دخلت ليبيا مرحلة جديدة، وبدأت أفكار ومقولات الكتاب الأخضر تتصدر المشهد الاقتصادي والاجتماعي: «شركاء لا أجراء»، «البيت لساكنه»، «الأرض ليست ملكًا لأحد»، و«السيارة لمن يقودها». وكانت هذه المقولات مرتبطة بتصور جديد للملكية والعمل والدخل ووسائل النقل.

لكن تطبيق تلك الأفكار على أرض الواقع غيّر حياة كثير من أصحاب الأعمال والملكيات. ومع اتساع التدخل في الملكية والنشاط الخاص، بدأ الزحف على أملاك الناس وأرزاقهم؛ أعمال أُقيمت بسنوات من الجهد، وممتلكات وأراضٍ وأنشطة تجارية أصبحت أمام واقع جديد.

وفي تلك الأجواء، لم يعد رجل الأعمال ينظر إلى المستقبل كما كان من قبل.

بدأ بعضهم يبحث عن طريق للخروج.

كان إبراهيم بورقيبة وعبدالجليل عارف شلبي من الذين اتجهوا إلى الخارج. غادر إبراهيم إلى مصر، ووفق الروايات المتداولة حاول إعادة بناء نشاطه التجاري هناك، بينما اتجه عبدالجليل إلى إيطاليا.

كان يبتعد عن ليبيا.


 

وربما كان يعتقد أن المسافة ستمنحه الأمان.

لكن المسافة لم تكن كافية.

روما – 19 أبريل 1980.

كان عبدالجليل يجلس مع زوجته وأطفاله في أحد مقاهي شارع فيا فينيتو.

جلسة عائلية هادئة، في مدينة بعيدة عن الوطن، قبل أن تنقلب اللحظة كلها في ثوانٍ.

اقترب منه رجل مسلح نُسب إلى اللجان الثورية.

أخرج مسدسه.

وانطلقت الرصاصات.

أصيب عبدالجليل وسقط قتيلًا أمام زوجته وأطفاله.

في ثوانٍ، تحولت جلسة عائلية إلى مأساة، وانتهت حياة رجل بدأ حياته لاعبًا، ثم دخل عالم التجارة والمقاولات، وغادر وطنه بحثًا عن مساحة أكثر أمانًا.

لكن، بحسب الروايات المتداولة، لم تنتهِ المأساة عند رصاص روما.

أُعيد جثمان عبدالجليل إلى ليبيا ودُفن في مقبرة سيدي منيدر بطرابلس.

ثم بدأت رواية أخرى أكثر قسوة؛ إذ تتحدث روايات متداولة عن اعتراض على دفنه في طرابلس، ثم صدور أمر بإخراج جثمانه من القبر بعد أيام.

كما تتحدث روايات عن تطويق منزل أسرته وترويع زوجته وأطفاله وإطلاق النار في محيط المنزل.

قُتل عبدالجليل في روما، وعاد جثمانه إلى ليبيا، لكن الخوف ظل يطارد أسرته.

وهنا تصبح قصته أكبر من مجرد حادثة اغتيال.

إنها قصة رجل أعمال عاش مرحلة تغيرت فيها قواعد الملكية والعمل الخاص، وامتد فيها الزحف على الأملاك والأرزاق، فاختار الرحيل، ثم وجد نفسه في الخارج أمام مصير لم يكن يتوقعه.

من جنزور إلى روما.

من الرياضة إلى التجارة والمقاولات.

من الوطن إلى الغربة.

ومن البحث عن الأمان إلى رصاص أنهى حياته أمام أسرته.

ويبقى السؤال الذي لم تغلقه السنوات:

من قتل عبدالجليل عارف شلبي؟ ومن خطط للجريمة؟ وهل عُرف مصير منفذيها؟

فالتاريخ لا يطلب الثأر.

التاريخ يطلب الحقيقة.


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق