السبت، 31 مايو 2025

نوري الماقنّي… الرّجل الجامِع !!

 


    كثيرا ما يكتب الناس عن الشخصيات المهمة بعد رحيلها عن هذه الدنيا، ويتنافس الكتاب بعد رحيل شخصية ما على كتابة المراثي والقصائد والمدائح للشخصية الراحلة، وبالطبع لن تسمع تلك الشخصية مديحهم ولا مراثيهم ولا بكاءهم ولن تتمتع بالكلمات الطيبة الجميلة التي يملأون بها الصفحات والقنوات والاذاعات بعد الرحيل، والمثل الليبي يقول: “عندما كان حيّا، كان يتمنى أن يُعطى ابلحه واحدة، وبعد أن مات وضعوا على قبره عرجونا كاملا!!”.

    أما أنا فقد أخترت الكتابة عن شخصية “حيّة”، مهمة جداً بالنسبة لي شخصيا ـ كصديق عزيز عليّ جداً ـ، وفي نفس الوقت شخصية مهمة في تاريخ الوطن، وأريد أن تقرأ الآن ـ في حياتها، أطال الله في عمرها ـ، وتستمتع بكلامنا الجميل عنها وشكرها والاعتراف لها بفضلها ونضالها وتضحياتها الكثيرة ـ دون كلل أو ملل أو تبرّم ـ لسنوات وسنوات.

   اريد أن أتحدث عن “الأستاذ نوري الماقني”، رجل مناضل، ناضل طيلة حياته ـ حفظه الله وأطال في عمره ـ، وشخص له اهتمامات وهوايات ونشاطات كثيرة تجعل من الصعب اعطاءه صفة معينة، فهو شخصية مفكرة جامعة ـ بمعنى دار معارف ـ، حتى أننا نستطيع أن نطلق عليه “الرجل الجامِع” وأعني كل معاني هذه الكلمة (يجمع معارف كثيرة، ويجمع الناس حول لأداء عمل ما، ويجمع حب الفن وحب الأدب والفكر وحب الناس، ويجمع بين الهدوء العجيب ـ عموما ـ والتمرد والثورة عندما يحتاج الأمر لذلك ـ دون خوف أو جزع أو تردد ـ، والجامِع : الشامل الملمّ، وكلامه جامِع أي قلّت ألفاظه وكثرت معانيه).

    لقد كان نوري الماقني من قيادات الحركة الطلابية في السبعينات (بجامعة طرابلس أولا، ثم بجامعة بنغازي بعد انتقاله إليها)، ووصل الأمر بقوة معارضته للسلطة آنذاك إن طلب العقيد القذافي مقابلته، وقابله فعلا وحاوره لسماع رأيه الشخصي في ما يجري في البلد آنذاك، وشرح مطالب الطلاب من خلال ذلك، وقد كان الطلاب آنذاك يناضلون من أجل استقلالية الجامعة وحرية الراي والفكر ومدنية الحكم وعودة العسكريين لثكناتهم.

    كما كان نوري الماقني ضمن وفود أرسلها الطلاب للحوار مع القذافي وأعضاء مجلس قيادة الثورة في منتصف السبعينات لشرح مطالب الطلاب ومحاولة تجنب الصدامات الدموية التي حدثت بعد ذلك بفعل تعنت السلطة ورفضها تحقيق مطالب الطلاب. وقد كنت معه في وفد ضم إلى جانب بعض الطلاب بعض اعضاء هيئة التدريس ـ أذكر منهم الدكتور عبدالمولى البغدادي والدكتور يوسف المهرك ـ لشرح مطالب الطلاب ابان احداث التدريب العسكري (1974م و1975م)، والتقينا في ساعة متأخرة من الليل مع محمد احمد الشريف وزير التربية والتعليم آنذاك في مكتبه وسط طرابلس، ثم ذهبنا (وفدنا مُضاف إليه الوزير) والتقينا بأعضاء مجلس قيادة الثورة (عوض حمزة وبشير هوادي) وبعض الضباط الاحرار، وبعد نقاش طويل عدنا الى الجامعة دون أن نلتقي بالقذافي تلك الليلة.

   وقد كان نوري الماقني ناشطا فعالا في سبيل تأسيس الاتحاد العام لطلبة ليبيا الذي كان نظام القذافي يرفض أن يكون اتحادا واحدا يشمل الثانويات والجامعة، وكان يريد تقسيمه إلى اتحادين واحد للثانويات وواحد للجامعات، وذلك للسيطرة عليه بحكم سهولة تحكمه في قيادات الثانويات المتوزعة على رقعة واسعة من البلاد. كما كان نوري الماقني في ذلك ناشطا على مستوى العالم حيث سافر الى الخارج لتكوين وحدات الاتحاد في الخارج ـ وقد التقيت به أثناء وجوده في لندن لأداء هذه المهمة سنة 1975م ـ.

   ويعتبر نوري الماقني من قيادات انتفاضة الطلاب سنة 1976م، التي يعتبرها النواة الأساسية لثورة 17 فبراير، حيث يقول في لقاء لبوابة الوسط معه (7 ابريل 2014م): “انتفاضة  1976 التي أصبحت تُعرف فيما بعد باسم 7 أبريل هي واحدة من أهم المحطات النضالية في ليبيا، وهي ليست كذلك لأننا ضمن قاداتها، بل لأنها أول انتفاضة واسعة وشعبية ضمت كل مناطق ليبيا وكل القوى الوطنية من مختلف فئاتها السياسية، لذا فهي النواة الأساسية لثورة 17 فبراير.”.

    ويقول نوري الماقني في نفس اللقاء “كانت ـ انتفاضة الطلاب سنة 1976م ـ امتدادًا للتاريخ النضالي الليبي بدءًا من الإرهاصات الأولى مقابل العهد الملكي، وشكّلت جسرًا لما بعد 1976، كانت الجامعة في تلك اللحظة هي الملاذ الأخير لمواجهة هذا النظام المستبد قبل ضرب القوى الطلابية في 1975 و1976 سبقها ضرب القوى الثقافية والسياسة فيما عرف بالثورة الثقافية، وكان النظام في ذلك الوقت يريد أن يحدث خلخلة كبيرة في بيئة المجتمع الليبي من أجل التأسيس لمريديه ودولته، واستطاع أن يعتقل بعض الفئات ويسجنها فكانت نظرة الشرفاء والمناضلين للساحة الطلابية باعتبارها الملاذ الأخير للتوافق وضرب هذا النظام وكانت انتفاضة مجيدة ولكن تصدى لها بقمع وشراسة رهيبة.”.

   ولم يكن نوري الماقني ناشطا نقابيا سياسيا فقط، بل كان مثقفا يكتب في الصحف الطلابية ويؤسسها ويعتبرها من اهم دعامات الحركة الطلابية من أجل توعية الطلاب واعلامهم وتوعية العاملين والموظفين وهيئة التدريس بالجامعة والمواطنين عموما بمطالب الطلاب والوقوف الى جانبها. وكان محبا للفن والثقافة عموما ويعتبرها جزءا مهما في حركة النضال  الطلابي. وقد تعرض نوري الماقني بفعل نشاطه السياسي والنقابي والثقافي للسجن والملاحقة، فقد سجن كطالب ابان انتفاضة الطلاب سنة 1976م، وسجن ـ كمثقف وناشط سياسي ـ، ولم يفرج عنه الا سنة 1988م.

   واستمر نوري الماقني مناضلا بعد خروجه من السجن، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان نوري الماقني من أوائل الموقعين على بيان صدر قبل ثورة 17 فبراير 2011م (سنة 2009)، جاء فيه: “فليرفع إذن عن الكلام الحصار، ولتكف الملاحقات التي تعلن وتطالبنا: أنْ كفوا عن التنفس وألزموا الصمت. وإنْ كان لسلم الصدقية أن يرتقى فأول درجاته هو استيداع مؤسسات القمع والترهيب: (نيابة الصحافة، رابطة الصحفيين، ورابطة الأدباء والكتاب) المدججة بالكمامات واللُجُم متحفَ التاريخ”.

    ولنوري الماقني اهتمامات كثيرة غير السياسة والنشاط النقابي والحركي، فله اهتمامات ثقافية وفكرية، وقد تنوعت قراءاته من التاريخ الى الأدب والفكر الى السياسة الى الفلسفة الى الصحافة والاعلام، وارتقى بكتاباته الى التفكير والمساهمة في التنوير وفتح المجال واسعا للمثقفين الليبيين كلما تحمل مسئولية ثقافية ـ رئاسة تحرير مجلة “رؤى” مثلا ـ ليعبروا عن آرائهم وأفكارهم ومعتقداتهم دون خطوط حمراء ورقابة. فهو مفكر حرّ وليس له أي حساسيات تجاه الأفكار من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فتح الأبواب واسعة في الصحف والمجلات والندوات والمحاضرات لصراع الأفكار سلميا ـ كمسئول في مركز دعم الثقافة وكرئيس للجنة  التأسيسية لإتحاد الأدباء والكتاب الليبيين مثلا ـ . وهو مع اهتماماته الكثيرة وظروف الحياة الاجتماعية اليومية، عندما تقرأ له تجد نفسك تعجب بقدرته على ايجاد الوقت الكافي لقراءة واستيعاب الكتب التاريخية والفكرية والفلسفية المعقدة التي يوجزها لنا ويبسّطها لنقرأها في بعض كتاباته الغنية بالفكر الحداثي وما بعده.

    ونوري الماقني ليس كاتبا فقط، بل هو ناقد يقرأ بتمعن ويمارس النقد بمعرفة دقيقة لمعنى النقد وللمادة التي يكتب عنها. ولقد شارك نوري الماقني وألقى محاضرة في ندوة عن نقد الكتابة التاريخية أقامها بيت درنة الثقافي (ابريل 2010م) وذكر بعض ما جاء فيها الأستاذ أمين مازن في صفحته “علامات”. يقول نوري الماقني في محاضرته : “إن خوفنا من تقويض الصورة المطمئنة لهوية تتطابق مع ذات، تجاهد كي لا يستبان سواها، هو ما يحدد إستراتيجية تقصينا لها في أصل جعلت منه إرادة المعرفة مستودعا لحقيقة صافية وثابتة لم تشوهها العوارض الطارئة. وهو ما يحفزنا على محاصرة الإمكان وينفرنا من التفكير في الاختلاف، كي لا نُباغت بما يتعارض مع “ما قد تم وكان” الغافي في دلالته المرتقبة هربا من تأويل يوقظنا من سباتنا ويقذف بنا في جحيم المجهول”.

   وعندما ينتقد البعض ما جاء في محاضرته يرد نوري الماقني بهدوءه المعروف: “قيل أن ورقتي وورقة الزملاء المحاضرين وقعت تحت تسلط الاستلاب لفكر الآخر، لكن مدخلي للمعرفة هو البحث عن أدوات، وهذه الأدوات وببساطة موجودة لدى الآخر، ولا توجد لدي أية حساسية في التعاطي معها”.

   وختاماً، إذا كان “واجب الكاتب الحقيقي أن يكتب جيدا، وذلك هو التزامه” ـ ماركيز ـ، كما جاء في مقالة نوري الماقني “البنية المهددة وغواية الرواية” التي نشرتها مجلة “رؤى” التي يترأس تحريرها، في عددها السادس ـ سبتمبر 2013م ـ، فإن هذا الكلام الجميل ينطبق عليه تماما، فقد كان نوري الماقني دائما، يكتب جيدا، وذلك هو التزامه.

ابراهيم اغنيوه

الجمعة، 23 مايو 2025

عبد السلام اجْلود الصورة الداكنة فى حياة شعب






عبد السلام اجْلود
الصورة الداكنة فى حياة شعب وتاريخ لن ينساة الليبيون حتى بعد انشقاقة

دخل " النقيب " عبد السلام اجْلود ميدان السياسة عن طريق انقلاب سبتمبر عام 1969 ، الذي قاده " الملازم" معمر القذافي وشاركهما عشرة أخرون من الملازمين والنقباء، منهم من قضى نحبه ومنهم من هو على قيد الحياة حتى اليوم.
تقلد اجْلود اعلى المناصب في دولة القمع والاستبداد واللاقانون! ترأس الحكومة، ورأس وفد ما سُمي بمفاوضات الجلاء او "الإجلاء" وتزعم اللجان الثورية عند بداية تكوينها ، وقد قامت هذه اللجان بارتكاب افظع الجرائم في حق كافة فئات الشعب الليبي، إذ طالت اياديهم الاثمة الشرفاء من الطلبة والمحامين والعمال والتجار والاطباء داخل ليبيا وخارجها! واستقطب الرائد اجْلود وهو رئيس اللجان الثورية شلة فاسدة مارقة ، ليكونوا له معاول لسلب ونهب وتعذيب وقتل المواطنين الابرياء
وكان الشيخ محمد البشتي وعامر الدغيس ومحمود بانون على رأس من لقوا حتفهم على ايدي عناصر هذه اللجان !
ومن ارقى احياء مدينة طرابلس الغرب إتخد الرائد اجْلود مقراً لاقامته ، وبلغ به الامر أن منع المرور في الشارع الذي يقع فيه مقر سكناه ، إذ اطلق حراسه ، ذات مرة ، الرصاص على سيارة دخلت الشارع عن طريق الخطأ ، وكانت النتيجة أن قُتل من كان بها من المواطنين !!
في عامي 1975 ، 1976 قاد الرائد اجْلود حملة اقتحام حرم جامعة طرابلس. في العام 1975 ، اجتمع بوفد الطلبة والاساتذة بمقر مجلس النواب وهو يهدد ويتوعد الجميع بأشد العقوبات الثورية إن لم ينصاعوا لاوامره ويتوقفوا عن الاضراب ويلتحقوا بالتدريب العسكري !.
وللذكرى والتاريخ فلقد تم ازالة مبنى مجلس النواب فيما بعد ، حتى يُطمس معلماً من معالم الديموقراطية للعهد الذي كانوا يسمونه بالمباد.
اقتحم الرائد اجْلود حرم جامعة طرابلس يوم الاربعاء ، السادس من شهر ابريل 1976 ، في حالة هيستيرية ، وهو يطلق الرصاص من مسدسه و يتخطى حاجز مدخل ساحة كلية الهندسة ، مردداً لبعض الهتافات الثورية مهدداً ومتوعداً الطلاب بالويل ، وبعد ذلك قام بالاعلان عن قائمة من خمسة وعشرون طالباً، يمثلون ، على حد زعمه ، "اليمين الرجعي" في جامعة طرابلس، وطلب منهم الاعتذار والثوبة إن هم ارادوا الاستمرار في الدراسة !! ...ولما لم يتحصل على مبتغاه فقد قامت اللجان الثورية في اليوم التالي " الخميس 7 ابريل 1976 " بحشد الالاف من العساكر في " ملابس مدنية " وطلبة المدارس والمعاهد الثانوية الى ساحة كلية الهندسة بجامعة طرابلس وتحرش العساكر والثوريون بالطلبة المتواجدين بالساحة وعند حوالي الساعة (11:45) اندلعت الاشتباكات بين غوغاء اللجان الثورية وجموع الطلبة بالايدي والحجارة والعصي ، واستمرت حتى حوالى الساعة الخامسة والنصف عصراً ، و تم على إثر ذلك اعتقال اعداد كبيرة من الطلبة ، بعد أن تمت محاصرتهم في زاوية خارج المستوصف الجامعي وفي داخله ، وانتهت المعركة بشحن المعتقلين من الطلبة إلى "مركز شرطة الأوسط" وسط مدينة طرابلس ، وبينما الطلاب "108 طالباً و27 طالبة" رهن الاعتقال في مركز شرطة الأوسط، يجتمع الرائد " رئيس اللجان الثورية " باولياء امورهم بفندق " ليبيا بالاس "، يكيل لهم التهديد والوعيد !!
كان من المتواجدين في ساحة كلية الهندسة من اتباع رئيس اللجان الثورية "الرائد اجْلود" (سعيد راشد "خيشة " ، عبد القادر البغدادي، عزالدين الهنشيري، فوزية شلابي ، سعاد الوحيدي ، فتحي الشلتات ، عبداللة فضل ، فاضل الدوكالي ، عبدالله الكنشيل ، عقيل حسين عقيل*، علي الحمروني، عبد المجيد الاسود، محمد زبيدة، موسى زلومة، محمد بالحاج موسى، الهادي دخيل ، علي خليل ، محمد سعد ، ناصر الغزير ، محمد عبدالونيس ، حبيب يدر والصاوت وغيرهم من ازلام النظام الانذال.
رفع الغوغاء من الثوريين لوحات تحمل شعارات للجان الرائد ، الثورية وصورٍ لقائد إنقلابه وهم يهتفون ويصرخون في الساحة متوعدين الطلبة ، ثم قاموا بعد ذلك بتحطيم جريدة " المحطة " الحائطية التي كان يشرف على تحريرها زميلي الدكتور إبراهيم اغنيوه ، والتي اُعتبرت احدى العوائق لمسيرة الثورة " الانقلاب " ، والمشرف على تحريرها " يميني رجعي " !!
برز في معركة ساحة كلية الهندسة "جامعة طرابلس" شهيد ثورة السابع عشر من فبراير "الجمعة 19 فبراير" وابن فشلوم وطرابلس البطل ناجي علي النفيشي ، وهو شقيق الشهيد خالد علي النفيشي ، احد ضحايا مذبحة بوسليم ، والاثنان هما ابناء الحاج علي النفيشي نقيب العمال المعروف ، رحمهم الله جميعاً .
السيد الحاج علي النفيشي خلف السيد سالم شيته "نقيباً لعمال ليبيا " قبل أن يُطيح به الرائد اجْلود ويعين بدلاً منه شقيقه سالم اجْلود.
وكان الرائد اجْلود من خلال حديثه الاخير لمحطة الجزيرة ، العربية و ليبيا الاحرار ، قد قال أن معمر القذافي قال له ذات مرة ، بحضور اخيه ، ان " الطلبة والعمال هم ألدُ اعدائي " ؟! .
مقالات قديمة

موسى زلوم : الأخضر المسحور والتائب المغدور




      وقد كتب السيد/ عبد الرحمن شلقم كتابه عن نفرقليل من كثير من أولئك الذين كانوا عيونا وزبانية لفرعون العصر الحديث على إخوانهم المواطنين فأصابهم من جرائمه ماتشيب له الولدان؛ فإنني أكتب اليوم هذه المقالة عن شخص آمن بصدق شعارات الطاغية في الحرية، والعدالة، والسلطة الشعبية إيمانا بلغ به كل مبلغ بحيث ملك عليه روحه، وعقله، بل وكل جوارحه وهو طالب في المرحلة الثانوية، ثم في الجامعة، وبعد الجامعة بسنوات. حتى إذا بلغ صاحبنا رشده وانتبه الى جدلية الصراع بين الحق والباطل في الحياة الدنيا، واكتشف مفاسد الزعيم الدّجال، واشمأزت نفسه من نفاق وممارسات الرفاق من الحواريين والرهبان، أدرك صاحبنا أنه كان مجرد عصاة في يد طاغية الزمان، و فزاعة في كل شارع وميدان.  وهكذا كفر صاحبنا بحرية العبيد في بلد الطغاة، وبعدالة الحرمان في صدقة البخلاء، وبسلطة الشعب في حكم البغاة. وأعلن قبل عشرين عاما انشقاقه عن النظام بعدم المشاركة في أنشطة اللجان الثورية.  كما بدأ يتحدث بصوت عال عن انتقاداته للنظام الذي أفلست سياساته الداخلية والتي تمثلت في الخراب الاقتصادي والاجتماعي. هذا هو (موسى زلوم) الذي أقدّم قصته عبرة للشباب حتى لايقعوا ضحايا في فخ وشباك المحتالين الذين يتاجرون بالبشر في شتى الأغراض. ولأعطيه، ونحن نتمتع بالحرية التي أهداها لنا شباب في عمر الورود صدقوا ماعاهدوا الله عليه، حق الذّكر والترحم عليه معهم. داعيا الله أن تكون قد وصلته في قبره تكبيرات الجهاد والتحرير والنصر. (ملاحظة: جاء ذكر "موسى زلوم" مرة واحدة في كتاب عبد الرحمن شلقم عند حديثه عن د. سعيد حفيانه).
      ولد هذا الشاب الأسمر في قرية (محروقة) وهي من قرى وادي الشاطئ على ما أعتقد من أسرة فقيرة جدا حسب قوله. فقد خاطب اجتماع نقابة الأدباء (يوم انتخب محمد خليفة التليسي نقيبا للأدباء) في حضور الطاغية أنه يؤيد النظام بقوة لأنه كان قبل سبتمبر يلبس قميصا مصنوعا من أكياس الدقيق وصار بعده يتمتع بعيش كريم.  جاء هذا الشاب اليافع الذي حصل على الشهادة الثانوية من فزان الى جامعة الفاتح (سابقا)عام 1975م والتحق بكلية التربية في قسم علم الاجتماع.  كانت قسماته مريحة، وابتسامته الخفيفة والقصيرة تبعث في ناظرها الحيرة أكثر من الإطمئنان.  كان، عموما، مؤدبا في سلوكه. يحترم اساتذته وكان دائما يبدؤهم بالتحية والسلام.  وكنت أنا أستاذا جديدا في الكلية، ولم يكن طالبا عندي في المجموعات التي قمت بتدريسها؛ ومع ذلك كان يلاقيني بالتحية والمجاملة أكثر من غيره وكأني به يقول لي (أنت وأنا وحيدان في جامعة تقوم على العصبية والقبلية. فأنا الجنوبي الأسمر الفقير وأنت ألاستاذ الذي تنتمي الى وسط اجتماعي متواضع ومن أقلية تعيش بعيدا عن حمى قبيلتها الأم في مصراته منذ قرن ونصف). كان متحدثا لبقا، وخطيبا جيدا، وصريحا لدرجة تجعل رفاقه من عصابة الثوريين يومئذ يتجنبون الحوار والنقاش معه. كان معروفا هو وأعضاء عصابة (جمعية ابن خلدون) الإرهابية في كلية التربية معروفين في الجامعة كلها. غير أنني وأنا أسترجع أحداث تلك السنين البائسة أتذكر أنه كان يتجنب المساهمة في أنشطة ماكان يعرف (اللجان الثورية) داخل كلية التربية. وقد يكون سبب ذلك عدم رغبته في تجنب الإصطدام مع أساتذة الكلية وربما حتى زملائه الطلبة من غير خانة الثوريين.
     لازالت الصور واضحة في ذاكرتي وهو يصول ويجول في اول ماعرف ب (ثورة الطلاب في 7 أبريل عام 1976م في جامعة الفاتح سابقا). كان في مقدمة اي نشاط غوغائي ذلك اليوم، ولكن حسب ما سمعت كان بالكلام أكثر منه بالأفعال.  وأتذكر كيف أنه تم إغلاق منافذ الجامعة فجأة ذلك اليوم بحيث تم منع الطلاب والأساتذة من مغادرة المكان.  فالتجأت اليه مع زميل آخر فكتب لنا إذنا بالخروج على قصاصة من علبة دخان فارغة كانت ملقاة على الطريق.  وهكذا غادرنا المكان ونحن مذهولين مما رأينا وسمعنا، وحائرين ماالذي كان يدبره النظام الفاشي للجامعة بقية ذلك اليوم المشؤوم.
     أعود لصاحبنا الذي كنت ألتقيه نادرا في الكلية بعد ذلك.  جاءني مرة وهو يخاطبني مخطئا كعادته دائما (يادكتور بشير أي باسم والدي) قائلا أنه تناهى الى سمعه أن واحدا من رفاقه ممن كانوا يسمون "ثوار مثابة كلية التربية" قد نقل عنه كلاما يسيء لي شخصيا. وقال لي ما معناه "إن كان ذلك حدث فهو كذب وافتراء، وأنه سينتقم منه أشد انتقام وأمامي شخصيا. غير أنه رغبة مني في تهدئة الأمور أجبته بأن ذلك لم يحدث وأنكرت ماسمعته فعلا من ذلك الشخص الذي أراد أن يوقع الفتنة بيني وبينه". وهذا الإحساس صدق مع الأيام في خبرتي مع الرجلين: حيث كان زلوم يقف موقف المدافع عن سلبيتي في عدم الانضمام الى ماكان يعرف (باللجنة الثورية في كل التربية) وهو يلتمس لي الأعذار؛ بينما كان الشخص الآخر  يبحث دائما لي عن سقطة تقودني الى السجن أو الى المعاناة على أقل تقدير.
     تخرج موسى زلوم من الكلية، وتزوج، ومنحه النظام بيتا منهوبا من مالكه قرب فندق الشاطئ في حي الأندلس الذي حلم بالسكن فيه الرجعيون، والثوريون، والفساق والصالحون، والسماسرة والمنافقون، وعملاء الاستعمار والوطنيون، والمتعلمون والمتخلفون، ومن يحب غرس أشجار الورد ومن يحب غرس أشجار التين (الكرموس) والزيتون. كذلك وشملت صاحبنا رشوة الطاغية للمتصوفين من زبانيته منحة مزارع الهكتارين فنال واحدة منها لعله ينسى قميص كيس الدقيق، وأيام طفولة محرومة من كل بهجة، وأسرة تعيش على الكفاف كأي أسرة اتخذت من قرى وادي الشاطى رحلة الصبر مع الأيام.
     وهكذا جاء صاحبنا الى طرابلس تسبقه أحلام لاحدود لها في ثورة تعد شعبها (كذبا وبهتانا)"بالفردوس الأرضي"، وأوهام سيطرت على تفكيره "بتحقيق العدل بين الناس". لقد صدّق كل خزعبلات الطاغية دون تمحيص. فكان لايقبل تشكيكا في مقولات ذلك العهد، ويثوربكل عنف على من يهاجم الطاغية وفكره التخريبي، ويتهم مرتكبه بالعمالة والخيانة. لدرجة أنه تم إغواءه من بعض أهل الشروالسوء على أحد أساتذته في قسم علم الإجتماع فدخل معه في نقاش بيزنطي (لم يدرك الأستاذ للأسف الفخ الذي كان منصوبا له) فأوشى به صاحبنا الى ماكان يعرف بالأجهزة الثورية والأمنية صوتا وصورة. فدفع الأستاذ ثمن ذلك شهرا من السجن، والقيد، والتهديد بالتصفية، والخوف الدائم.
     صارت لقاءاتي معه والقائمة على الصدفة والصدفة وحدها تقل مع الأيام، وخاصة بعد أن انتقلت للتدريس في جامعة الزاوية (جامعة السابع من أبريل سابقا).  سمعت بأنه قد حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من كلية التربية بجامعة الفاتح سابقا وتحت إشراف أستاذ مبرز في الإختصاص. وكان موضوع رسالته يتناول التطور الحضري في قريته (محروقه). وذهب بعدها الى كندا للدراسة لدرجة الدكتوراه غير أنه بعد سنتين أو ثلاث قطع دراسته وعاد الى ليبيا. وجدته يوما (أوائل التسعينات من القرن الماضي تقريبا) وهو يتحاور مع أحد أساتذة قسم علم الإجتماع في جامعة الفاتح (سابقا) حول فشل عهد الطاغية في كل وعوده بتنمية الشعب الليبي وتحقيق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية. كان صاحبنا يتكلم عن غلاء الأسعار وفقر الشعب الليبي وهو في بلد الموارد والثروات الطبيعية؛ والأستاذ يستمع بهمهمات غامضة بطريقة محرجة لمكانته. وكان صاحبنا يريد أن يسمع رأي الأستاذ المتردد. كما كنت أنا مذهولا من الكلام الذي يخرج من فم موسى زلوم وكأنه فحيح نار هادئة.  نظر إليّ الأستاذ مستنجدا بأن أقول شيئا، كما نظر اليّ موسى وهو يترقب مشاركتي بعيون تتفرّس نظراتها وجهي كأنها تتحسس الحيرة في أعماقي. فقلت وأنا أريد أن أستوضح نيته ومقاصده (تعرف ياموسى.... نحن جيل التضحية لأننا ندفع ثمن معاداة الغرب والرجعية... وقد كتب القدر على جيلنا أن يكون جسر عبور للتنمية البشرية والاقتصادية.... لابأس أن نتحمل اليوم حتى تهنأ أجيال الغد). فانفجر غاضبا قائلا (يادكتور بشير... كم هو مرتبك الآن؟... هل يكفيك لشراء ثوب لإبنتك أو زوجتك... الشعب بقي ينتظر الفرج عشرين عاما ولكن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ. أنت تعرف الحقيقة يادكتور بشير ولكنك إما أنك تشعرني بأنك تخاف مني... أو أنك تضحك وتستخف بعقلي. وتركنا مغاضبا). يومها قلت لنفسي إن تغيرا عميقا قد حدث في تفكير وقناعات الرجل.
      وغاب الرجل.  وعلمت من بعض أصدقائه الثوريين القذافيين أن صاحبنا صار موظفا في المكتب الثقافي في السفارة الليبية في الرباط لمدة سنة أو سنتين. عاد بعدها معتكفا في الشاطئ ومنعزلا عن أي نشاط ثوري. أطلق لحيته، وحافظ على صلواته في المسجد، وخرج من سكنه في حي الأندلس وقال بأن السكن في بيت مغصوب حرام.  وسمعت بأنه ذهب إلى الأستاذ الذي وشى به للأمن وكاد أن يقوده الى الموت طالبا منه الصفح والمغفرة لذنبه في حقه. ولقيته مصادفة بعدها وسألته عن حقيقة ذهابه الى الأستاذ وطلب المغفرة منه فأعلمني بأنه قد قام بذلك فعلا، فشكرته وودعته متجنبا إحراجه بأسئلة أكثر. أخبرني الأستاذ المعني وهو صديق لي أيضا عندما أخبرته بأني قد سمعت بقدوم موسى إليه وطلبه العفو منه  فقال لي نعم لقد حدث ذلك. وأضاف الأستاذ: كان موسى في اعتذاره وطلب السماح مني يتحدث برقة مسحت عنه كل عنف الشباب وحماقته. لقد كست وجهه ابتسامة عريضة وأنا أقول له "أنا سامحتك".
     صار الرجل يتحدث صراحة وبصوت عال عن فساد النظام.  وأن ما وعدت به ثورة القذافي كان سرابا. وخافه رفاقه القدامى من الثوريين القذافيين فتجنبوا صحبته، ووشوا به الى زعيمهم أنّ (موسى زلوم قد كفر). ويظهر أن جميع محاولات الثوريين والرفاق الخضر قد فشلت في أن تعيد صاحبنا إلى معبد الطاغوت أو أن تلجم فمه عن البوح بإظهار مخازي النظام وعيوبه. فكان القرار بالقضاء عليه بطريقة لايظهر فيها أن النظام ينكّل بمريديه وحوارييه. وفي اليوم الموعود، وبعد أن صلّى صلاة الظهر في مسجد عبد السلام الأسمر في زليطن، كان موسى زلوم راكبا مع سائق في سيارة تنهب الأرض نهبا نحو سرت مستعجلة الاستجابة لطلب الزعيم له بالحضور.  وبين تاورغاء وسرت كان الموت في انتظار هذا الرجل في حادث (كما تناقلت الأفواه ذلك).  ومات صاحبنا وبقي السائق على قيد الحياة. وأنا هنا لا أعرف عن ملابسات موت صاحبنا شيئا. وقد كان الموت يتصيد موسى زلوم ورفيقه؛غير أنه لكل أجل كتاب.  الأمر الذي لا أستطيع أن أخفيه هو أن مشاعري تخبرني بأن موسى زلوم مات غيلة وغدرا. ولكن كيف؟ ومن نفذ ذلك؟. أنا لا أعرف...... كل ما أستطيع قوله أن قتله كان مدبرا من الزعيم بناء على تطور المقدمات وتسلسل النتائج والأحداث.
     لقد شعر النظام بأن موسى زلوم قد فهم سر اللعبة القذافية وأسرار الحكم فكفر بالزعيم، وكتابه الأخضر، وخزعبلاته ومناوراته وسرابه. وشعر الزعيم أن صاحبنا لم يكن "لقاقا" ولا منافقا يوم انبرى يدافع عن الزعيم ومبادئه بكل جدية. وشعر النظام أيضا بأن موسى زلوم عرف ربّه، وعرف رسوله صلى الله عليه وسلم، وقرآنه، وإسلامه فتاب توبة نصوحة نقية. وعرف النظام في موسى زلوم رجلا شجاعا ثابتا على مبادئه ولا يخاف أن يقول رأيه حتى للزعيم الذي ترتعش أمامه الفرسان. وقد ناقش موسى زلوم الزعيم في فساد الحكم والزبانية والأزلام عدة مرات كما أخبرني بعض رفاقه (طبعا بمنطق الثوري الغيور على ثورة الزعيم ومبادئه بطبيعة الحال وله العذر في ذلك). فكان ما كان.
     وأخبرني أحد أقاربه منذ ما يقارب عشر سنوات ( يعمل سائق سيارة نقل استأجرته لنقل امتعة لي بالصدفة من سوق الثلاثاء) عندما علم بأنني أستاذ في الجامعة وأنني أعرف موسى زلوم بأن الشك يحيط بوفاته. وأن والدته أصرت على أن يتم فتح التابوت لترى وجه ابنها حتى تصدق بأن جثمانه هو الموجود في التابوت.
وقد يسأل سائل عن الدافع الذي دفعني لكتابة موضوع هذه المقالة. فأقول الآتي:
1)  أن في قصة موسى زلوم عبرة لشبابنا في أن يحكموا عقولهم في كل مايسمعونه من دعاوي وأفكار حتى لا يضحك عليهم أحد كما ضحك الطاغية على صاحبنا.
2)  أن هذا الرجل كان صادقا في ضلاله وصادقا في توبته وصلاحه.
3)  أن هذا الرجل كان شجاعا يوم كان الرجال الشجعان يعدّون على الأصابع. لقد كفر بالطاغية وهو تحت جدران معبده، وبين سراديب صولجانه، وتحت نظر زبانيته وعصابته.
4)  أن هذا الرجل (حسب اعتقادي) كان يتمنى الشهادة وهو يرفع صوته ضد الفساد والظلم والبغي لعله يكفّر عمّا اقترفه من ذنوب وقت جهله وطيشه.
5)  أن هذا الرجل خالط عباد الله المتقين في كندا والمغرب من علماء المسلمين الذي حباهم الله بمعرفة علوم الدنيا والدين فلامست أقوالهم عقله وقلبه وروحه فتاب توبة صادقة فتاب الله عليه فأصلح له بقية عمره وكذلك آخرته.آمين.
6)  أن هذا الرجل (كما أسلفت) كان يقف بصفي بدون منة أو شرط يوم كدت أن أكون وحيدا وسط عاصفة الغوغائيين في جامعة الفاتح سابقا والتي كانت تتصارعها الفئات القبلية والتجمعات المصلحية. ورأيت أن من باب الوفاء له أن أحكي قصته للناس لعلهم يتعظون. وأن أدعو له بالرحمة والمغفرة، وله ولجميع شهدائنا بالجنة، وأن يسعف جرحانا ويثبتهم بالصبروالإيمان. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
د. عمر الطويبي زوبي

تعقيبات المعلقين :

عبدالناصر موسى إبراهيم صالح زلوم......ألابن
     بقيت افكر طويلا و طويلا و مرت ساعة و ساعتان و حتى اصبحت اربع ساعات و انا اقراء كل سطر و كل جملة و كل حرف و اعيد القراءة مرة اخرى و افكر في 15 سنة على وفاة والدي..كيف كان و كيف اصبحنا و ننتظر كل تلك السنوات ان يخرج علينا من يصدقنا قولا في حق والدي و ان يظهر لنا كل عيوبه و محاسنة, فلم نجد و بعد 15 عاما على مقتله ها انا لوحدي و بصدفة من اخ و صديق و حبيب عراقي الجنسية لا اشك في حبه لليبين و لي يقول لي انه شخصا ما قد كتب مقالة في والدك يجب ان تطلع عليها.. و ها انا الان لا اجد كلمات و لا تعليق تليق بهذا المقال هذه الحقيقة و اتعجب لصدقها و حقيقتها و انها موجود لا اجد طريقة شكر و إمتنان تليق بها....مهما شكرت و دعوت لك لا يسعني ذلك ابدا إما ان القاق و إما ان اموت متمنيأ ذلك... و شكرا للك يا دكتور بشير....كما كان يقولها لك الوالد.....
محمد العجيلي
     جل من عمل وكان مع طاغية العصر"القذافي " هم ناس ملوثة مريضة مهووسة بالقنل والدمار مثله ..الا من رحم ربي أكيد فى ناس ضللها وناس أجبرت أن تكون معه وناس تورطت ولم تستطع أن تتراجع ..وخير مثال الشهيد اللواء عبد الفتاح يونس ..مع أنه كان مع المردوم من اول يوم سطا فيه على الحكم بس هو رجل وطنى مخلص ومحب لبلده وهذا أثبتته لنا ثورة 17 فبراير ...شكرا دكتور على المقال فيه وجهة نظر تحترم
امليكيز
بارك الله فيك دكتور عمر انا لااعرفك الا من خلال كتابتك التى اتبعها منذ فترة فاصبحت وكأنى اعرفك حتى قبل ولادتى فعلا انى اشهد لك بانك تكتب دائما حول وقائعالمواضيع التى يشعر فيها القارى صدق السرد والمضمون وبشجاعة ادبية ومهنية على درجة عالية من الحيادية والموضوعية وتجهر بالحقيقية فى كل ماتطرح ولاتخشى فى ذكرها لومة لائم وحتى وان كانت كثير من الكتاب يتجنابونها ويتحاشونها فعلا ان انك كاتب صادق وشجاع ولاتجامل فى السرد والمضامين هذا مارايناه فيك وقد شهدنا بما علمنا وماكنا للغيب بحافظين استمر بمثل ماقلت فى احدى مقالاتك الساكت عن الحق شيطان اخرس واطرح افكارك بنفس الجراة واعلم ان اهل الحق دائما سيكونون مع ماتكتب وليكن شعارك ارفع الحق يأتيك اهله .

الجمعة، 16 مايو 2025

رفيف القضبان



"جبل فراقك ياجبل "

راكمت السجون الليبية عبر تاريخها الماضي, ولا زالت تراكم بالتأكيد, ارثا ثقافيا مهما, هو ارث مسكوت عنه ومخفي في غياهب تلك السجون, " التركية والايطالية والملكية والجماهيرية والفبرارية ", ارث من القمع والالغاء, ظل يتراكم ويتنوع في ظلام تلك المعتقلات والسجون, شعرا ونثرا, قصائدا وحكايات وسيرا, من جب السرايا الحمراء التركي ومعتقل العقيله والبورتو بينيتو الايطالي ثم حصان الملكية الابيض الذي ورثته دولة الاستقلال وحولته سبتمبر الى حصان اسود مع الكويفية والجديده وبوسليم واخيرا ولايبدو انه الاخير معتقلات فبراير التي انتشرت في كل مدينة وقرية وكل زقاق, من رجمة وكلية ومشتركه وردع, واسماء لايمكن حصرها, فقد تحولت بعض البيوت والمزارع والاستراحات الى مسالخ للبشر الليبيين بعد اذلالهم وامتهان كرامتهم ونشر كل ذلك الذل والقهر للاعدام الاجتماعي والمعنوي للضحية وللعائلة وحتى للقبيلة او المدينة التي ينتمي لها .

لقد وسمت ليبيا بظاهرة قطع رؤوس الضحايا وتعليقها على اسوار السرايا " زمن الحضارة التركية " التي حمتنا من التنصير ثم سلمتنا للنصارى, ثم نصب الطليان المشانق لاجدادنا في الميادين العامة, واعاد سبتمبر السنة الايطالية بتعليق احفاد ضحايا الطليان وبنفس الطريقة ونفس الشعارات, لتطور فبراير اساليب الامتهان والاذلال والاضطهاد بقطع الرؤوس وقصف البيوت بالطائرات والمدافع وتقطيع اجساد الضحايا والقاء الجثت في مكبات الزبالة .

ياللميراث المرعب والمخجل الذي تئن تحت ثقله ارواحنا, ويالعارنا التاريخي الاسود.

" الجمعية الليبية لسجناء الراي " تنهض من ركام ضحايا الامس و اليوم, تحاول ان تنقل اهات والآم الاف الضحايا, ان تنشر بين الناس ارث الرؤوس المقطوعة والاجساد التي اكلتها رطوبة الزنازين بعد ان مزقتها سياط الجلادين من ابنائنا, هذا الارث المسكوت عنه, والذي يواجه بالنكران بكل اسف من انظمتنا المتعاقبه, والذي لن ننجح في تجاوز عداواتنا وحروبنا العبثية وتمزقنا الاجتماعي الا بنشره والاعتراف به والاعتذار عن حقبه الطويلة لضحيته الممزقة بسياط ورصاص ومشانق ابنائها اعني الضحية " ليبيا " لعلنا اثر ذلك نعي الكارثة ونتوقف عن هذا العبث المميت , ومن ضمن برنامجها لنشر هذا الارث المسكوت عنه, اقامت الجمعية امسية للشاعر عبدالرحمن الشرع, احد ابرز شعراءالمعتقل الليبي, والذي بدأ يكتب الشعر, ونمت موهبته الشعرية ودوى صوته الشعري داخل المعتقلات, وتدفق هذا الصوت ألما ونزيفا وايضا املا وايمانا بانتصار الانسان على كل ادوات القهر,  تدفق صوت عبدالرحمن الشعري كنهر دافق لايعرف الحدود, يتخطى الحواجز والجدران, ويهد جدران المعتقلات لينطلق الشعر والروح الى براحات الحرية, تتحول عبره صرخات المعذبين الى اناشيد مقاومة ووشهقات الموت الى عواصف ارادة وحياة.

في قصائد عبدالرحمن الشرع تخوض الحياة معركتها الملحمية ضد الفناء والعدم, ليخرج " الحي من الميت " و الحديقة  والمدرسة من السجن, والزغاريد والاعراس من مواكب الجنازات, والشمس من ظلام المعتقل .

في مراثيه لمن قضوا تحت التعذيب وفي غياهب المعتقلات, يبدو الموت فعل تحرر وكسرا لاطواق الاعتقال وهدما لجدران السجون, فالموت ولادة .

السجن في تلك المراثي, ليس الا مخاضا مؤلما ومعراجا لمستقبل يفيض جمالا وعدلا وحرية, ان فراشات القصائد والارواح, تكابد الآم الخروج من الشرنقة لترف اجنحتها في فضاءالربيع, ومن خلف تلك الجدران والقضبان ومن وسط ضجيج المسيرات وصراخ الجنون والعبث تعلو زغاريد الاعراس, ومن قسوة الزنازين تطير فراشات القلوب العاشقة واغاني الحب والميلاد .

تجربة " عبدالرحمن الشرع " الشعرية والتي تشكل ركنا مهما من ادب السجون الليبية تمثل بعض هذا الارث الذي دونته اقلام شعراء وكتاب خاضوا  تلك الملحمة, ملحمة " نزول وطلوع " ذاك الجحيم الليبي العظيم, الذي امتد لقرون طويلة, تنوع جلادوه وسجانوه وزبانيته من ترك وطليان وليبيين,  من مستعمرين غزاة عابرين ومن مسوخ وطنية, وظللنا ضحاياه وشهداءه, ظل ارثه ارثنا وان خبأناه في اعماق ارواحنا المتعبة منذ "بوحويش " وحتى اخر النازلين .    

منصور  بوشناف

( سجين راي زمن القذافي .. لمجرد كتب مسرحية  )

نشر ببوابة الوسط

الخميس، 15 مايو 2025

مأسي ( الثورة الثقافية )

 




في تقديمه لكتابه " المحاضرة الضائعة " .. كتب المؤرخ الليبي الاستاذ سالم الكبتي : " في ابريل 1973 . ليبيا تغمرها فوضى الثورة الثقافية كما سماها العقيد القذافي. تغيرت أمور وتلاحقت. اعتقالات وسجون وتهم بالحزبية والمرض والفكر المستورد. شمل ذلك العديد من المثقفين والناشطين الليبيين.. والاساتذة العرب من بينهم د. عبد الرحمن بدوي رئيس قسم الفلسفة والاستاذ به في كلية الاداب الجامعة الليبية "

   الواقع أن د. بدوي خلال وجوده في ليبيا في الفترة من 1967 إلى 1973  حضي باهتمام كبير من قبل طلابه والجامعة .. مما شكل نوعا من الفريق ..  الاب والاتباع .. او القائد الفكري وحوارييه .. وهذا ما لم يكن متاحا أو مقبولا لدى   القذافي الذي يرفض تشكل جماعات فكرية  . او حزبية .. وفقا للدستور  الذي أقره في بيان النقاط الخمس بزواره .

يتحدث الكاتب عن محاضرة ألقاها د . بدوي عام 1967 ..    حول الحضارة العربية الاسلامية. . وفي السياق إلى  نكبة بدوي فيما بعد انقلاب العسكر 1969 .

  هذا الطرح يقود إلى الحاجة الملحة لحصر ضحايا الكلمة والفكر طوال عمر نكبة الاثنين اول سبتمبر 1969 .. وكم من الأساتذة الجامعيين الذين تم طردهم من الجامعة في  مناسبات احتفالية المشانق في السابع من ابريل كل عام .. وهنا نذكر على سبيل المثال لا الحصر بمحنة د . احمد الأحمر استاذ التغير الاجتماعي بالدراسات العليا .. الذي تم طرده من الجامعة عام 1982 .. واخرون تم تحجيم دورهم .. من أساتذة الفلسفة والفكر ..حاجة لإعادة جمع الروايات .. وطرائف ( الثورة الثقافية) .. و( نكبة الجامعات الليبية في  السابع من ابريل )


الثلاثاء، 13 مايو 2025

مجزرة ابوسليم وتعدد الروايات

 

 


      مجزرة سجن ابو سليم المروعة بطرابلس عام 1986 . شاهد عيان يدعى " حسين رجب الشافعي " من مدينة بنغازي ، ومن مواليد عام 1968 . قبض عليه عام 1989  . كانت جريمته أن تسوّر على التحدث علنا بإحدى الندوات التي يقيمها المعهد العالي للكهرباء كأحد طلابه . انتقد حرية التعبير ومتضمنات النظرية العالمية الثالثة ، وطالب بإيجاد مساحة للحوار.   

     وقد أسهب في ذكر التفاصيل . كيف بدأت حركة احتجاج السجناء عندما احتجزوا اثنين من السجانين ، وقد سئموا معاملتهم السيئة وطول انتظارهم للمحاكمة أو الإفراج ، وكيف هي معاناتهم اليومية . سوء التغذية والكمية التي لا تزيد عن سد رمق ، انعدام التهوية ، تفشي الأمراض ، التعذيب لأتفه الأسباب كالحديث مع سجين آخر ، وجلسات التعذيب وصنوف الإمعان في السادية ، وكيف يترك السجناء مكبلين لأيام متوالية ، وعن آلة العقاب المعروفة بـ " الهوندا " حيث يعلق السجين لسعات على قاطرة حديدية وقد وثقت الأرجل واليدين معا ، ويظل يتأرجح ويتألم بحرقة ، ولا تنال استغاثته أي شفقة أو زجرة ضمير تستشعر وازع الإنسانية في قلوب سجانيه .

    ذكر سجانيه بالاسم ، وكيف نقضوا الوعد لفض احتجاج السجناء ، تمهيدا للحظة الانتقام منهم ، وكيف دخلت فرق الموت مدججة بالسلاح وأمطرت السجناء العزل بوابل الرصاص ، لتنتهي المجزرة بإزهاق أرواح 1269 سجين . وغيرهم ممن قضوا نحبهم لأسباب ، زحف الشيخوخة ، وأمراض الآزمة أو ضيق التنفس ، والفشل الكلوي وغيرها ، منهم من أهل العلم والمعرفة من أمثال " الشيخ احمد العماري ، والشيخ محمد تركيه من مصراته ، وابو حليقة من اجدابيا " . واذا كانت ظاهرة تقلص حاجة الانظمة السياسية الى مثقفين ظاهرة عامة في بلاد العالم الثالث لا سيما الانظمة ذات الطابع العسكري ، فمن المؤكد ان المشهد في ليبيا يعبر عن نفسه في اعتى صور التطرف والاقصاء .
 عاد بعد انتفاضة فبراير ليعيد الرواية لادى القنوات .. لكنها لم تكن بذات الدقة التي رواها بها في حينها عبر قناة الحرة .. وقد غادر البلاد الى امريكيا .
 


 ;;


 

 

 

جاء في ( ويكيبيديا ) ول التعريف بسجن ابوسليم والمذبحة :

سجن أبو سليم أو سجن بوسليم هوَ سجنٌ مشدد الرّقابة والحِراسة يقعُ في مدينة طرابلس بليبيا. ارتبطَ هذا السجنُ «بالسُمعَة السيّئة» أثناء فترة حكم العقيد معمر القذافي وذلكَ بسبب سوء المعاملة وانتهاكات حقوق الإنسان بما في ذلك مذبحة عام 1996 والتي قدرت هيومن رايتس ووتش فيها مقتلَ 1270 سجيناً.[1][2][3]

بحلول عام 2011 وإبّان الثورة الليبية ضدّ نظام القذافي؛ قامَ المجلس الوطني الانتقالي بدعوة محققين من شبكة سي إن إن ومُحققين من منظمات أخرى للتحقيق في السجن لكنهم لم يجدوا سوى ما يبدو أنه عظام حيوانية وأعلنوا عن استمرارِ التحقيقات في وقتٍ لاحق.[4]

التاريخ

[عدل]

البِداية

[عدل]

افتُتحَ سجن أبو سليم أو سجنُ بوسليم المركزي في ضاحية المساكن الشعبية بمنطقة بوسليم جنوب غربي العاصمة الليبية طرابلس عام 1984 وقد سُمّي بهذا الاسم نسبةً للمنطقة التي يقعُ فيها. حلّ سجنُ أبو سليم محل السجن القديم الذي كان يُدعى «الحصان الأسود» وهو عبارة عن معسكر للشرطة العسكرية يشغل مساحة 30 هكتارا وتقدر مساحة الزنزانة الواحدة فيه بـ 36 مترًا مربعًا.[5] في البداية؛ كانَ سجن أبو سليم مخصصًا للعسكريين ومع زيادة أعداد السجناء والمعتقلين أصبح يستخدم لسجناء الرأي والسياسيين ويخضع مباشرةً لإشراف الأمن الداخلي.[6][ب]

الحرب الأهلية الليبية

[عدل]

خلال الحرب الأهلية الليبية؛ استولى الثوار على السجن في 24 أغسطس/آب فأُطلقوا سراح جميع السجناء؛[7] وكان من بين أولئك الذين تأكد إطلاق سراحهم ماثيو فاندايك من بالتيمور بولاية ماريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية وهو عضوٌ في وحدة الثوار الذين قاتلوا الجيش الليبي في مرسى البريقة في مارس/آذار.[8][9] بعدَ انتشار خبر إطلاق سراحهِ؛ وصفتهُ ما يُعرفُ «بالحملة الدولية لتحرير فاندايك» بأنّه «كاتب وصحفي» ثمّ تبينَ فيما بعد أنّه كان مقاتلًا في صفوف الثوار فضلًا عن كونهِ أسير حرب.[9]

انتهاكات حقوق الإنسان

[عدل]

دعت منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق مُستقل في حالات الوفاة التي حدثت هناك في 29 يونيو/حزيران 1996؛[10] وهو الحادث أو الحدث الذي يُشارُ له باسم مذبحة سجن أبو سليم.[11] في السياق ذاته؛ نشرت منظمةُ هيومن رايتس ووتش تقريرها والذي خلصت فيه إلى أنّ نظام القذافي قد قتلَ حوالي 1270 سجينًا في تلكَ المجزرة ووصفتِ السجن بأنه «موقع للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان».[12] ذكرت هيومن رايتس ووتش في تقريرهَا أيضًا أنها غير قادرة على التحقيق بشكل مستقل في مزاعم حدوث المذبحة كما بيّنت أن تقريرها استندَ بالأساسِ على شهادة سجين واحد وهوَ حسين الشافعي الذي أكّد أنهُ أحصى أكثر من 1200 قتيل ووضّحَ قائِلًا: «لقد طلبَ مني حراس السجن غسل الساعات التي أُخذت من جثث السجناء الموتى.[13]» في المُقابل؛ رفضت الحكومة الليبية مزاعم مجزرة في أبو سليم وبحلول مايو/أيار 2005 قالَ رئيس جهاز الأمن الداخلي للجمهوريّة الليبية لمنظمة هيومن رايتس ووتش إن السجناء أسَروا بعض الحراس وسرقوا أسلحةً من مخبأ السجن مؤكدًا على «وفاةِ» عددٍ منَ السجناء والحراس على حدٍ سواء وذلك عندما حاول رجال الأمن استعادة النظام كما ادعى أنّ الحكومة قد فتحت تحقيقًا في الموضوع بأمرٍ من وزير العدل كما أكّدَ المسؤول الليبي أن أكثر من 400 سجين قد هربوا من أبو سليم في أربعة حوادث منفصلة قبل وقوع الحادث وبعده: الأول كانَ في في تموز/يوليو عام 1995 ثم الثاني في كانون الأول/ديسمبر 1995 فيما تمّت عملية الهروب الثالثة في حزيران/يونيو 1996 والأخيرة في تموز/يوليو 2001 مُشيرًا إلى أنّ من بينِ الهاربين رجالٌ حارَبوا بعد ذلك مع «جماعات إسلامية متشددة» في أفغانستان وإيران والعراق.[13]

حاولت الصحفية ليندسي هيلسوم استكشافَ هذا الموضوع حيثُ أصدرت في عام 2012 كِتابًا بعنوان «عاصفة رملية» وتَروي فيهِ القِصص التي جمعتها من عددٍ منَ الأسر التي قالت أن أفراد أسرتها كانوا في السجن. في كتابها؛ تقولُ ليندسي أنّه منَ الصعبِ تحديدُ عدد القتلى لعدة أسباب أولها صمتُ الحكومة على المدى الطويل وعدم إفشاء مكان السجناء وحالتهم.[14] لقد شكّلت أسر المختفين والمقتولين رابطة نظمت العديد من الاحتجاجات في بنغازي وذلكَ بقيادة المحامي فتحي تربل الذي تم اعتقاله عدة مرات بسبب نشاطهِ هذا؛ كما حاولَ سيف الإسلام القذافي (الذي يُلقبة الكثيرينَ «بنجلِ الديكتاتور») حلّ المشكلة من خلال مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية عام 2007.[14]

في عام 2009؛ قالت الحكومة الليبية إنّ عمليات القتل التي حصلت في السجنِ كانت بسبب اندلاع مواجهات بين القُوات الحكومة ومتمرديين منَ الجماعة الليبية المقاتلة كما أشارت لمقتلِ حوالي 200 منَ الحراس دونَ أن تتحدثَ عن عددِ القتلى في صفوف النزلاء.[15] في كانون الثاني/يناير 2011؛ أكّدت السلطات الليبية أنها تجري تحقيقًا في الحادث معَ محققين دوليين؛[16] وفي أواخر نفسِ السنة أدلى منصور ضو وَهو شخصية بارزة في نظام القذافي بتصريحات مهمّة حول مجزرة السجن في في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ما قدّم أدلة إضافية على حدوث المذبحة فعلًا.[17]

بعدَ اندلاع ثورات الربيع العربي في كل من تونس ومصر؛ أقدمت السلطات الليبيّة على اعتقالِ المحامي فتحي تربل في محاولةٍ منها لدرء شرارة الثورة. حينَها تجمّعت عائلات سجن أبو سليم للاحتجاج على اعتقاله وساهمَ هذا التجمع بالإضافةِ إلى أسباب أخرى في نهاية المطاف في اندلاع الثورة في ليبيا أيضًا. بحسبِ بعض المصادر فقد حاولَ عبد الله السنوسي رئيس المخابرات في نظام القذافي والذي يشتبهُ الكثيرون في تورطه في مذبحة عام 1996 أن يطلبَ من تربل وقفَ الاحتجاجات لكنّه فشلَ في ذلك.[14]

في 25 سبتمبر 2011 وبعدَ فترة وجيزة من الإطاحة بالحكومة السابقة؛ أكّد المجلس الوطني الانتقالي أنهُ عثرَ على مقبرة جماعية خارج السجن؛[18] فيمَا قالَ خالد الشريف الناطق باسم المجلس الوطني الانتقالي إنه قد تمّ تحديد مكان القبر بناءً على معلومات من مسؤولين سابقين في النظام واسترسل: «لقد اكتشفنا ما كانَ يبحثُ عنهُ الشعب الليبي لسنوات عديدة ... لقد عثرنا على جثث وبقايا مذبحة أبو سليم.[19]» أمّا إبراهيم أبو شيم وهو عضو في اللجنة التي تبحث عن مقابر جماعية فقد قالَ إن المحققين يعتقدون أن 1270 شخصًا قد دُفنوا في القبر لكن المجلس الوطني الانتقالي يحتاج إلى مساعدة من المجتمع الدولي للعثور على الرفات وتحديدِ الهويّات بسببِ افتقارهِ للمعدات المتطورة اللازمة لاختبار الحمض النووي.[20] ومع ذلك؛ وعندما قام المجلس الوطني الانتقالي بدعوة محققين من سي إن إن ومنظمات أخرى؛ قيلَ إنّه لم يُعثر سوى ما يبدو أنها عظام حيوانية.[4]

قُبيل اندلاعِ الحرب الأهلية؛ تكلّفَ المحامي عبد الحفيظ غوقة بالتمثيل القانوني لعائلات الأشخاص الذين قُتلوا في المذبحة وحاولَ تفاوض مع نظام القذافي المُنهار بشأن التعويضات.[21] أثناءَ الانتفاضة وبالتحديدِ في نيسان/أبريل 2011؛ أصبح غوقة نائبًا لرئيسِ للمجلس الوطني الانتقالي وشغل هذا المنصب حتى كانون الثاني/يناير 2012.[22]



هرطقات القذافي