كانت الرياح الشمالية الغربية تعبث بحبات الرمل فوق تلال "قارة جهنم" بالقرب من قرية "سرت" الليبية، حيث ترسم خطوطاً متموجةً تشبه مسارات الأنساب المعقدة في البادية. في تلك الليلة من عام 1948، وفي مخبأٍ حجريٍّ قديم لا يعرفه سوى الرعاة، ولدت الأسطورة التي ستحكم ليبيا عقوداً
. لم يكن المولود مجرد طفل يصرخ في وجه الفراغ، بل كان قطعة شطرنج جرى نحتها بعناية فائقة في غرف العمليات المظلمة.
هذه هي قصة "الطفل العميل"، القصة التي لم تُكتب في الكتب الرسمية، بل هُمست في الخيام المتباعدة وأروقة المخابرات الدولية تحت اسم واحد : "العملية غزالة".
الفصل الأول: النطفة المخابراتية
في غرفٍ مضاءة بخفوت في روما، وراء جدرانٍ سميكة تحتفظ بأسرار الاستعمار الإيطالي الفاشي، كانت الخرائط الديموغرافية لليبيا مفرودة على طاولة ضخمة. لم تكن الخرائط تُظهر آبار النفط — التي لم تكن قد اكتشفت بعد — بل كانت تُظهر "آبار الأنساب".
هناك، وُلدت الفكرة المجنونة. فكرة لا تُنبتها عقول الجنرالات بل عقول علماء النفس السياسيين اليهود.
كيف يمكن السيطرة على مجتمع قبيلي شديد التماسك، يرفض الغريب ويقدس النسب، إذا رحل المحتل الجلاد؟ الحل كان بسيطاً وشيطاناً: "ازرعوا فيه حاكماً لا يمتلك نسباً، واصنعوا له واحداً". حاكماً يعيش في ذعر دائم من انكشاف أصله، مما يجعله طيعاً، مفرطاً في إثبات ولائه للمحيط الذي زُرع فيه.
وقد وقع الاختيار على النطفة المثالية. طفل يحمل جينات مختلطة، جزء منها يهودي من طرف الأم، المرأة التي عُرفت في الأرشيف الإيطالي بـ "غزالة" وتنادَى بها في البيت بـ "حنة/هانا". امرأة تشتتت عائلتها بين فوضى المعتقلات والاستعمار. هذه الجينات المختلطة لم تكن عيباً في نظر مهندسي العملية، بل كانت "الشفرة الوراثية" للتبعية المطلقة؛ فهي ورقة الابتزاز المثالية التي ستحتفظ بها أروقة روما، وتل أبيب لاحقاً.
الفصل الثاني: الغرس في البادية
كانت المحطة الأولى هي سرت، البوابة الشمالية للبادية الليبية. لم يكن اختيار سرت عفوياً؛ فهي منطقة "وسط" جغرافي وقبيلي، يسهل منها ادعاء النسب النقي ويسهل منها إخفاء الأثر.
في ليلةٍ دامسة، تسلم شيخٌ من عائلة "بومنيار" الطفلَ الملفوف بأسمال بدوية مع مبلغ من المال. قيل له إنه طفلٌ يتيم من أقارب بعيدين في الجنوب. قبل الشيخُ الطفلَ فرحا بالمبلغ الذي بدا له ضخما حينها، مسمياً إياه اسماً محلياً دارجاً.
هكذا، بدأت مسرحية "النسب"؛ حيث أُلصق الطفل ببيت قبلي متماسك، وصُنعت له أمٌ جديدة في الذاكرة الشعبية، أمٌ قومية وعربية "عائشة بن نيران"، لتكون الغطاء المثالي للأم الحقيقية المكتومة.
لقد زُرع الطفل كـ جرثومة غريبة في الجسم البدوي البسيط، لكنها تغلغلت فيه بسرعة البرق وتعلّمت كيف تجعله يعمل لصالحها.
الفصل الثالث: ألعاب الكبار (مثلث المخابرات)
في الوقت الذي كان فيه الطفل يكبر ويشرب حليب الإبل، كانت "العملية غزالة" تتطور لتصبح مشروعاً دولياً مشتركاً. لم تعد مجرد "فكرة إيطالية" يتيمة، بل دخلت على الخط قوى عظمى:
• الموساد الإسرائيلي: الذي تسلم "صندوق الأسرار" الديموغرافي من إيطاليا. احتفظ الموساد بملف الأم "غزالة/حنة" كأهم ورقة ابتزاز نفسي في تاريخه. لم يكن الهدف تنصيب حاكم يوالي إسرائيل علناً — فهذا سيسقطه فوراً في بيئة ليبية وعربية قومية — بل كان الهدف تنصيب حاكم يمارس "الإفراط في التعويض" (Overcompensation)، فيطلق أشد العبارات عداءً لإسرائيل ليثبت عروبته، بينما ينفذ في الخفاء، عبر مغامراته المجنونة، تدميراً منهجياً لمقدرات ليبيا وعزلها عن الصراع الحقيقي.
• المخابرات البريطانية (MI6): الخبيرة ببنية القبائل الليبية والملكية السنوسية. كان دورها هندسة "السيناريو المرحلي" لصعود العميل. هي التي أدارت خط حركته من سرت إلى سبها (مركز التحشيد الجنوبي)، ثم مصراتة (مركز الصقل الحضري والاتصال بالشبكات الوسطى)، وصولاً إلى الكلية العسكرية في بنغازي.
• المخابرات المركزية الأمريكية (CIA): المهتمة بغطاء النفط والمال. كانت أمريكا تستعد لاستلام إرث الإمبراطوريات الغاربة، وكان النفط الليبي المكتشف حديثاً في حوض سيرت كنزاً لا يمكن تركه للنظام الملكي "غير المرن". دور الـ CIA كان توفير التغطية السياسية والمالية عبر شبكات رجال الأعمال المستقلين (كآرماند هامر) وائتلافات النفط الكبرى (Oasis Group)، لضمان استمرار تدفق النفط تحت أي تغيير قادم.
لقد كان الطفل العميل هو "العقرب" الذي سيُلسع به المجتمع الليبي، وكان مثلث المخابرات هو الذي يمسك بطرف الذيل.
الفصل الرابع: الرقص على حبال النفط والشعارات
جاءت ليلة الأول من سبتمبر 1969. الشاحنات العسكرية تتحرك في طرابلس وبنغازي. القواعد الأمريكية (ويلس) والبريطانية (العدم) تتلقى الأمر الفوري من عواصمها: "تجميد تام وتفرج". كانت تلك لحظة ذروة "عملية Black Boots" (البيادة السوداء) الملحقة بعملية غزالة.
اعتلى العميل المنبر. رجلٌ بزي عسكري لا يتناسب مع سنه، يصرخ بعبارات العروبة والثورية. لقد نجح الغرس؛ المجتمع الليبي الذي كان يتوق للتغيير صدّق السردية المصنوعة، وصدّق أن الضابط الشاب البدوي هو "المخلص القومي".
لكن ما حدث وراء الكواليس كان مختلفاً تماماً عن الشعارات النارية:
• تأميم الشركات المستقلة: كان حركة استعراضية لتصفية حسابات ورفع الأسعار، مما ضاعف أرباح الشركات الأمريكية العملاقة (Occidental)، وأرباح ائتلاف الواحة (Conoco, Marathon, Mobil, Esso)، التي ظلت تعمل بامتيازات هائلة تحت غطاء "الشراكة النفطية" طوال عقود.
• الإفراط في التعويض: خوفاً من انكشاف ملف "حنة/غزالة"، بالغ الحاكم في عدائه اللفظي للغرب، وموّل المنظمات الراديكالية حول العالم، مما أدخل ليبيا في دوامة من الحصار والعزلة والحروب الجانبية (كتشاد وأيرلندا)، وهو ما خدم استراتيجياً الموساد والـ CIA بتفتيت القدرات الليبية وإلهائها عن أي دور إقليمي حقيقي ومؤثر.
الفصل الخامس: هندسة الفراغ وتطهير الأرشيف
كان الرعب الأكبر للنظام هو الأرشيف الشفهي والورقي. لذلك، ترجمت الأجهزة الأمنية هذا الرعب بتصفيات جسدية مستهدفة لكبار السن والرعاة الذين يحتفظون بذاكرة الأنساب الحقيقية في سرت، وملاحقة أي وثيقة تحمل اسم "غزالة". حتى في أوروبا، امتدت يد النظام لتصفية ملفات الحاخام فضلون والأرشيفات المكتومة لتدمير أي أثر ورقي يربط الحاكم بأصوله.
الهدف النهائي من كل هذا لم يكن مجرد بقاء الحاكم في السلطة، بل كان "هندسة الفراغ". مشروع الـ 100 عام الذي هدف لتفكيك المؤسسات العسكرية والمدنية الليبية التقليدية، واستبدالها بـ "اللجان الشعبية" و"الكتائب الأمنية" المفصلة على قياس الحاكم. لضمان أنه عند لحظة سقوطه، لن تجد ليبيا أي مؤسسة أو قانون أو نسيج موحد لتقوم عليه، وهو ما أغرق البلاد بالفعل في فوضى ممتدة.
الخاتمة: الحقيقة العارية
"العملية غزالة" لم تكن قصة حاكم وطني حالفه الحظ، بل كانت قصة "الاستعمار بالبيدق". قصة دولة كاملة وشعب بأكمله، اقتيد بشعارات العروبة والثورية نحو التفكيك الشامل، بأيدي حاكمٍ لم يكن يجرؤ حتى على النظر في المرآة، خوفاً من أن يرى فيها وجه "حنة/هانا" المطاردة من قبل أجهزة مثلث المخابرات.
وفي نهاية المسرحية، عندما سقط القناع، لم يكن السقوط مجرد سقوط لديكتاتور، بل كان تكشفاً مؤلماً عن أن كل تلك العقود لم تكن سوى عرض مسرحي مُهندس بعناية فائقة، لبلدٍ ظل أسيراً لـ ضبع شرس في صورة "غزالة مزيفة" مصنوعة في غرف العمليات المظلمة.
الكاتب .. خالد عمر



















