الجمعة، 6 فبراير 2026

سيف الاسلام القذافي في سطور


 

عندما ذابت أجنحة إيكاروس.. سيف الإسلام بين الصعود والخيبة

5 فبراير، 2026

    ذات يوم من أيام نالوت المملة في منتصف الألفينيات، استيقظت على صورة ضخمة لسيف الإسلام القذافي، وقد علقت غير بعيد عن صورة بنفس الأبعاد تقريبا لوالده، كان ذلك إعلانا بأن زيوس قد تناسل كما يبدو وأنجب إلها جديدا، وعلى الجماهير الشعبية أن تستعد لفصل جديد من طقوس العبادة ومراسم التكريس، كانت تلك الإطلالة جزءا من جولة قام بها سيف الإسلام القذافي حول مدن عديدة على طول البلاد وعرضها، وقد اتبعه رهط غير قليل، عاقدين الأمل فيه على كسر دائرة اللاحياة التي طبعها والده على هذه البلاد لعقود طويلة، وبالطبع، التف حوله أفضل خريجي مدارس الهتاف وال”زيد تحدى” والبراعم التواقين لفرص الصعود، كنت أعرف بعض من التصق به معرفة شخصية، شخصيات فارغة انتهجت ما يتجاوز البراجماتية إلى انحطاط لا قرار له في مهاوي التطبيل والانتهازية.


   محاطا بكل هؤلاء، خرج سيف الإسلام القذافي في مشهد كان قبله يائسا، وبعث أملا غير موثوق في إمكانية أن يتغير شيء ما، كان التوقيت مثاليا، فوالده الذي مارس طفولته ومراهقته في الحكم، وعبثت نرجسيته وتقلباته وعناده غير السياسي بمصير البلاد، كان قد بلغ الحلم أخيرا، وتخلى عن كثير من أوهامه، بل ارتد على كثير من مبادئه الرئيسية، فالدول الإمبريالية لم تعد إمبريالية جدا، والفلسطينيون لم يعودوا محقين تماما، بل أغبياء فوتوا فرص السلام، السلام نفسه الذي طالما صلبه وجلده في خطاباته، أصبح فرصة ضائعة، الإشتراكية لم تعد فكرة غير قابلة المساس.. ملامح الرأسمالية ورموزها كانت قد غزت المدن الليبية تدريجيا، والوحدة العربية التي أوقف الملايين ليتغنوا بها، صارت نكتة في كلماته المرتجلة أمام جموع المرتعشين، -لاحقا- حتى السيادة، كانت قابلة للتفاوض، وقد سمح للمجتمع الدولي بالتدخل من الأسلحة الكيماوية وحتى المساجين والشأن القضائي، لم يكن قد بقي من قذافي الثمانينات والسبعينات سوى نرجسيته المريضة، ومرآته التي يرى نفسه فيها إلها محاطا بالنساك، يبحث عنهم في واقادوغو وأنجامينا بعد أن أضلهم في دمشق والقاهرة.


   كل ذلك جعل الأمل مضاعفا، ثمة كوة ترى بوضوح في الجدار الذي ظن الجميع أن لا سقوط له، شيء ما على وشك أن يحدث بعد أن أيس الجميع، إعلانات متلاحقة لمشاريع، ملتقيات تتلو أخرى، وعود تقطع، مشهد سريالي لجموع من الحالمين والعابثين والقطط السمان والحرس القديم المتوجس من الإيقاعات الجديدة لنغمة لطالما كانت تعزف على وتر واحد، دون سلالم، وخلف هؤلاء جميعا هناك القذافي الأب، وحوله ما تبقى من “الهاربيز” الذين لا يعيشون دون احتقار وأذية الآخرين.. كان هناك مواجهة يصعب تجنبها.. ولم يجر الإعداد لها بشكل واضح.


    وفي ذروة تحليقه، ومع اقترابه من شمس الفاتح، ذابت أجنحة “إيكاروس” وهوى إلى الأرض مرة أخرى، أصبحت الوعود بالتغيير سرابا، وبدا لكثيرين أن الاندفاع الكبير وراء “الغد” كان مبالغا فيه، فأبناء الأمس مازالوا قادرين على إدارة اللعبة، وقد أثبت والده أنه ما يزال في ضلاله القديم، قادرا على اختراع الأعداء وخوض معارك على طريقة “الدون كيخوته”، فاتهم الفيفا بالتآمر حين سخرت من ملف ليبيا وألقته في المزبلة رافضة التصويت عليه، وأعلن الجهاد ضد سويسرا بسبب مشكلة تافهة مع أحد أبنائه، وفيما عدا بعض المشاريع التي ظلت صامدة، فإن الإحباط عاد، وقد عاد لينتقم، مضاعفا ثقيلا قاسيا على الجميع، غير قابل للإزاحة مرة أخرى.


    كانت المعركة داخلية في الحقيقة، فقد كان سيف الإسلام نفسه نصف متعلم، ونصف متخلف، نصف قبلي ونصف متمدن، نصف إصلاحي، نصف ظل لوالده ونصف مارق عنه، وكان على كل نصف أن يهزم الآخر، وفي كل اختبار حقيقي كان ينتصر نصفه السيء، في مقابلته على الجزيرة حين سألته صحفية عما يرغب في رسمه، أجاب بلغة حمقاء: نرسم بحر ليبيا.. ونقول اللي مش عاجبه بابا يشرب منه!


   في كتابه الذي صدر قبل عشر سنوات، يروي مستشاره محمد الهوني تفاصيل ليلة ما قبل خطاب “الإصبع الشهير”، متحدثا عن نص وسيناريو مختلف تماما جرت مناقشة إلقائه من قبل سيف الإسلام، يتضمن لغة تصالحية وتصحيحية، لكن اجتماعات جرت بينه وبين والده وبعض حاشيته أفضت إلى خطابه الشهير، واحد من أغبى الخطابات التي يمكن أن يكون سياسي قد ألقاها في التاريخ، الكلمات التي أفضت إلى لحظة اللاعودة، والانفصال التام بين مؤيديه ومعارضيه.


    لاحقا، وأمام جمع ممن تبقى من أنصاره، أعلن سيف الإسلام القذافي عن إستراتيجية ما بعد النصر، مؤكدا أن الجيش سيعاد هيكلته ليتكون من قبائل معينة ومدن معينة فيما ستحرم مدن وقبائل أخرى من الانخراط فيه، عقابا لهم على معصية والده، إلى جانب ترهات أخرى اختفى فيها “الإصلاحي المتعلم” خلف قبلية تنتمي لجاهلية والده الذي يصر على معرفة جدا كل من يخاطبه ليحكم عليه من قصص جدته، ويحمله جريرة أساطير الأولين، وخيالات الشعراء والحكائين.


     كان سيف الإسلام “أوديب الخائب” كما تصفه رجاء سلامة في تقديمها لكتاب الهوني، كان نجاحه يمر فقط من خلال إقصاء والده، وكان يمني نفسه بذلك، لكنه كان يجبن في كل مرة، لم يتردد في انتقاد سياسات والده من خلال رجل قش يسميه القطط السمان والمتنفعين والأشخاص اللي مافهموش الكتاب الأخضر إلخ، لكنه كان يتراجع في كل مرة تصل فيها المواجهة للحظة الحقيقة، لم يكن سيف الإسلام مؤمنا بترهات الكتاب الأخضر والفكر الثوري والمؤتمرات الوهمية، لم يكن يؤمن بها أحد في الحقيقة، لكن، في اللحظات المصيرية كان مضطرا للتمترس خلفها. في كل ما يتعلق بسيف الإسلام هنالك هذه ال “لكن”.


    أفهم الإحساس المعقد والكلمات المضطربة التي تسيطر على البعض وهم يتناولون خبر وفاته، إنه شعور طبيعي، لأنك أولا كائن بشري.. يمكن أن تشعر بأشياء متناقضة، ويمكن أن تتخذ مواقف مركبة ومعقدة، والأهم.. لأن سيف الإسلام القذافي كان كذلك! لم يكن شخصا واحدا.. كان مترددا، شكاكا، وريثا لعائلته في الصباح، ومتمردا عليها في المساء، لقد كان كل شيء ولا شيء، وهذا ما سمح لكل أحد برسم صورة خاصة لسيف، بنفس موهبته المتواضعة في الرسم، والخيارات غير المحدودة لملامحه الهلامية، لقد كان سيف مجرد أمل زائف في توقيت يائس… فالرفق ببعضكم.

بقلم .. خليفة البشباشي











 .قراءة «كتاب العِبر» ومقدمته لابن خلدون ليست فعلًا معرفيًا محايدًا، بل تجربة مقلقة، لأنها تنقل القارئ من موقع المتابع إلى موقع الشاهد على التكرار. فالتاريخ، في المنظور الخلدوني، لا يتحرك وفق منطق الصدفة أو الأخلاق، بل وفق قوانين الاجتماع البشري، حيث تتقدم المصلحة على القيم، وتتحكم العصبية في المصير، ويُترك الضعيف وحيدًا حين تعجز الجماعة عن تحمّل كلفة الانحياز. وحين يُقرأ هذا المنطق ثم يُسقط على الواقع المعاصر، يصبح الإحساس بالإنهاك أمرًا طبيعيًا، لأن ما نراه اليوم ليس جديدًا، بل استعادة حرفية لمسار قديم.

في هذا السياق، لا يبدو مشهد التباكي المتأخر على سيف الإسلام القذافي استثناءً أو حالة ليبية خاصة، بل حلقة جديدة في سلسلة تاريخية متكررة: خذلان الأحياء ثم تقديسهم بعد السقوط. فحين كان الرجل حاضرًا، مثيرًا للجدل، محتاجًا إلى موقف واضح وعصبية فاعلة، غابت النصرة، وتراجع المؤيدون، واشتغل الجميع بمنطق السلامة الفردية. لم يكن الصمت حينها موقفًا أخلاقيًا، بل حسابًا عقلانيًا للكلفة. وعندما انتهى المشهد، وصار البكاء آمنًا، ظهر الندم، وارتفعت الأصوات، وتحوّل الخذلان إلى قصة حزن جماعي.

ابن خلدون يفسّر هذا السلوك ببرود العالم الاجتماعي لا بعاطفة الواعظ. فالناس، في لحظات الاختبار، لا تسأل عن الحق بقدر ما تسأل عن الثمن. العصبية، التي يراها أساس قيام الدول وسقوطها، لا تتحرك بالشعارات ولا بالمحبة المجردة، بل بالمنفعة المشتركة والاستعداد للتضحية. وحين تغيب هذه العصبية، يُترك الفرد، مهما كانت رمزيته، مكشوفًا أمام خصومه، بينما يكتفي أنصاره بدور المتفرج الحذر.

هذا المنطق ليس خاصًا بليبيا ولا بسيف الإسلام، بل هو ذاته الذي حكم وقائع كبرى في التاريخ الإسلامي وغيره. مأساة الحسين في كربلاء، في القراءة الخلدونية، ليست حدثًا فريدًا بقدر ما هي النموذج الأولي لدورة متكررة: وعود تُقطع، رسائل تُرسل، تعاطف يُعلن، ثم انسحاب جماعي حين يحين وقت الفعل. وبعد الفاجعة، يبدأ طور آخر من السلوك الجمعي، هو طور البكاء والندم والمراثي، وكأن الدموع يمكن أن تعوّض غياب النصرة. هنا يتحول البكاء من تعبير إنساني صادق إلى وظيفة اجتماعية تريح الضمير دون أن تغيّر الواقع.

في الواقع السياسي المعاصر، يؤدي البكاء الدور نفسه. فهو طقس منخفض الكلفة، لا يهدد سلطة، ولا يزعزع توازنات، ولا يعرّض صاحبه لخطر. لذلك يُسمح به، بل يُشجَّع عليه أحيانًا، بينما تُحاصر النصرة الفعلية وتُجرَّم، لأنها تعني انحيازًا واضحًا، ودفع ثمن، وكسرًا لمنطق الحياد الزائف. وهكذا يصبح البكاء بديلًا عن الفعل، ووسيلة لإعادة إنتاج الشعور الأخلاقي دون تحمّل تبعاته.

المجتمع الليبي، في هذا الإطار، لا يعاني من غياب الشجاعة الفردية بقدر ما يعاني من تفكك الفعل الجماعي. فالأفراد قد يمتلكون قناعات، وربما تعاطفًا صادقًا، لكنهم يفتقدون الإطار العصبي الذي يحوّل القناعة إلى قوة مؤثرة. كل واحد يحسب موقعه، ومخاطره، وحدود خسارته، ثم يتراجع خطوة إلى الخلف، في انتظار أن يتحمل غيره العبء. وعندما يسقط المشروع أو الشخص، يبدأ تبادل الاتهامات، ويُلقى اللوم على الظروف أو الخارج أو الخيانة، دون مواجهة السؤال الجوهري: هل كنّا، فعلًا، مستعدين للدفع حين كان الدفع ممكنًا؟

تقديس الموتى في هذا السياق ليس دليل وفاء بقدر ما هو تعويض نفسي عن خيانة الأحياء. فالميت لا يطالب، ولا يحرج، ولا يذكّر بالتقصير، ويمكن تحويله بسهولة إلى رمز نظيف، منزوع الخطر. أما الحي، فهو مشكلة، لأنه يفرض سؤال الموقف الآن، لا بعد فوات الأوان. لذلك تُرفع صور القتلى، وتُكتب فيهم المقالات، وتُلقى الخطب، بينما يُترك الأحياء وحدهم في لحظة الاختبار.

القراءة الخلدونية لهذه الظاهرة لا تمنح عزاءً، لكنها تمنح وضوحًا قاسيًا. فهي تقول إن التاريخ لا يُدار بالنيات، بل بالاستعداد لتحمّل الكلفة، وإن القضايا لا تسقط لأن خصومها أقوياء فقط، بل لأن أنصارها لم يكونوا مستعدين للدفاع عنها في الوقت المناسب. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا بكى الناس بعد السقوط، بل لماذا غابوا قبلَه.

ربما لهذا يبدو ابن خلدون متعبًا لكل من يقرأه بصدق، لأنه لا يسمح لنا بالاحتماء بالأخلاق المجردة أو العواطف المتأخرة. إنه يضعنا أمام مرآة غير مريحة، ويقول إن التاريخ يعيد نفسه ليس لأننا لا نفهمه، بل لأننا نفهمه جيدًا… ثم نختار السلامة.

بقلم الكاتب سليم اشطيبه


الاختباء وراء جثة

رحم الله المهندس سيف الاسلام وغفر له , والذي قضى نتيجة عملية اغتيال اجرامية, لم نخفي استنكارنا لها ,وقد احسن اهلنا في بني وليد صنعا باستضافة مثواه الالاخير وبمراسم الدفن المهيبة التي اقيمت من اجله,
لكن ان يتم اسغلال جنازة من بضعة آلاف لاختطاف رأي جميع الشعب الليبي والقول بانها استفتاء على رغبة الليبيين لعودة  النظام السابق وتحويل جنازة المرحوم الى شكل من اشكال الدعاية الانتخابية , فذلك ما لايمكن القبول به ومن حق كل من يحمل رأيا مخالفا ان يعترض على هذه المصادرة لرأية والحديث باسمه دون,وجه حق
لاشك ان فبراير فشلت فشلا ذريعا في تحقيق ما حلم به الليبيون من استقرار وتنمية ودولة قانون ,ولكن رغم كل ذلك لم يتم التعامل مع جثة المرحوم كما تعامل النظام السابق مع جثة المعارض محمد مصطفي رمضان مثلا الذي اعتاله النظام في لندن ورفض استلام جثته او دفنه في تراب الوطن   ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة لمنع الذفن!!,
فشل فبراير  لا يغني ان  عودة النظام الجماهيري هي البديل المناسب , ومن حق انصار النظام السابق الحلم بعودة عجلة التاريخ الى  الوراء لكن ما ليس من جقهم التحدث باسم الليبيين جميعا والادعاء باان الليبيين جميعا --قد منحوا الصقر الوحيد وسلالته صك ملكية ابدي لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم..
لا يمكنكم ان تنتظروا ممن اثقلت ذاكرته بالتهميش والاقصاء والمشانق والمنافي والسجون ان يلغي نفسه ويشارككم احلامكم الوردية--كما لايمكنه هو بدوره ان يطلب منكم نسيان ( ايام العز ), مشكلتكم التي لا حل لها على مايبدو, هي رفضكم الاقتناع بان فردوسكم المفقود كان جحيما قاسياً لغيركم -
التاريخ لا يعود القهقري وما نراه من خراب وفوضى ودمار ما هو الا مضاعفات وضع مشوه عمره اكثر من اربعين عاما , لكن من وسط هذا الركام ستولد ليبيا الجديدة ليبيا التي لا يمكن احتزالها في سبتمبر او فبراير ولا حتى ديسمبر.
ا .سعد السني

عن الراحل سيف الإسلام القذافي ، وثورة فبراير .
خَطّرْها ،.. على ثورة فبراير عام 2011 م .
هل كانت هذه الثورة ضرورة ، وحتمية ؟ .
الإجابة نعم ،ونعمين ،ومليون ونعم  .                                                                                                                                                                                                                                                              ولِأسباب عديدة لا تُحصى،ولا تعد،فقد كان قيام تلك الثورة امرا لا مفر منه، وإن كانت قد تأخرت طويلا، امتد تأخرها الى اثنين وأربعين عاما عجافا  دفع ثمنها المواطن والمواطنة الليبية اثمان باهضة ،من دمائهم ،وأعمارهم وأحلامهم وحقوقهم ،ولعل من ابرز ملامح تلك الحقبة أنّ الدكتاتور القذافي  أراد لليبيين حين ينظرون الى المَرَايا لا يرو وجوههم ،بل يرو وجهه وحده مُنعكسا في مراياهم الخاصة، فأصبح وطن يختزل في فرد، وشعب يُطلب منه ان يذُوب في ظل الحاكم .
وهُنا اسوق بعض الأمثلة لعلها تسلط الضوء على ما كانت عليه بلادنا في عهد المملكة الليبية تحت قيادة الملك الجليل محمد ادريس المهدى السنوسي قبل ليلة الدسيسة، المشبوهة  .
ففي عام 1967 م كان الجنيه يتمتع بقيمة عالية اذ كان يساوي جنيهين وعشرة قروش بريطانية ،غير أنّ الصورة تبدلت لاحقا، ففي عام 1976 م أي بعد مرور ست سنوات فقط على انقلاب سبتمبر انقلبت الموازين، فأصبح الجنيه الإسترليني الواحد يساوي أربعة جنيهات ليبيّة، في دلالة واضحة على التراجع الاقتصادي  خلال تلك الفترة القصيرة .
في عام 1967 م زار بلادنا الشيخ زايد  بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة في رحلة علاجية اجرى خلالها عملية جراحية في مستشفى اندير في مدينة طرابلس، تكللت العملية بالنجاح وفي عام 1977 م،أي بعد ثماني سنوات فقط من الانقلاب،اصبح المواطن الليبي حين يمرض ويقصد المستشفيات الليبية يضطر الى حمل بطانية ووسادة معه ويُطلب منه شراء ادويتة ولوازمه الطبية من الصيدليات على نفقته الخاصة، في صورة بائسة مُتردية تعكس مدى حجم التدهور، والفساد الذى أصاب القطاع الصحي .
وخلال فترة الحكم الملكي وتحديدا منذ عام  1966 م كان الطالب الحاصل على الشهادة الثانوية المبتعث للدراسة في أوروبا يُقبل مُباشرة في الجامعات الاوربية نظرا لقوة المناهج التعليمية آنذاك ،وصلابة مخرجاتها التعليمية ،غير انّ الحال تغير لاحقا في أواخر السبعينات وبالتحديد عام 1979 م  بدأت الجامعات العريقة في أوروبا تتحفظ على استقبال الطلبة المبعوثين بسبب تراجع مستوياتهم التعليمية ومعلوماتهم المعرفية، حيث تفشت مظاهر الغش واتسع باب النجاح بالوساطة والمحسوبية داخل المدارس واروقة الجامعات التي باتت خاضعة لهيمنة سيطرة لجان ثورية همجية لا صلة لها بالعملية التعليمية، فأصبح الولاء يُقدّم على الكفاءة ، والاجتهاد،ومن ثالثة الاثافي، كما يقال ،تردت اللغة العربية وتفشت الأخطاء اللغوية بين طلبة المرحلتين الاعدادية والثانوية  بل وحتى في أوساط بعض طلبة الجامعات،حتى صار الطالب الليبي يكتب اسم حسين على هيئة (( حوسين ))،فى صورة تختصر حجم التراجع والتجهيل الذى اصاب لغة الضاد في عقر دارها  .
فماذا بعد تلك المصائب ؟ .
كان جواز السفر  الليبي يتمتع بقوة وهيبة معتبرة  فى كثير من دول العالم ،فكانت عواصم الدنيا تفتح امام المواطن الليبي دون ريبة اوتعقيدات تذكر ،بل ان المسافر الليبي كان يستطيع الحصول على تاشيرة الدخول الى المملكة المتحدة مباشرة من مطاراتها حيث تُمنح له اقامة لمدة ستة اشهر تُثبت فى جواز سفره فى الحال ،في صورة تعكس ما كان يتمتع به جواز سفر المملكة الليبية من احترام ومكانة دولية آنذاك .
غير انه لم تمض سوى سنوات قليلة على الإنقلاب حتى تحول جواز السفر الليبي الى ورقة شبه فاقدة لقيمتها وأصبح يُنظر اليه في غالبية دول العالم وكأنه وثيقة  مشكوك في امرها،وزاد من تلك الشكوك انّ بيانات الجوازات كانت تُدون  بأقلام الحبر الجاف ،وبصياغة ركيكة ،الامر الذى عمق الريبة وانعدام الثقة  .
ومع تفشي العبث مُنحت جوازات السفر الليبية ،لِأجانب ولعصابات قتله ليبيين وغير ليبيين، فأنسدت في وجوه الليبيين مطارات ومنافذ العالم،وصار المواطن الليبي يُعامل في مطارات الدول، وكأنه يحمل خطرا داهما، لا وثيقة سفر شرعية .
مرة ثانية ، نتساءل : هل كانت ثورة فبراير حتمية وضرورية ؟ .
وهُنا اسمحوا لى ان اضرب لحضراتكم بعض الأمثلة والمقارنات بين حكمة قيادة المملكة الليبية، ونزق وعربدة واستهتار قيادة الجماهيرية ،ففي عام 1964 م نظم اتحاد طلبة ليبيا فرع المانيا وقفة احتجاجية امام سفارة المملكة الليبية في بون بألمانيا " الغربية " آنذاك وقرر الطلبة المحتجون البقاء امام السفارة عدة أيام ، وصادف ذلك الإحتجاج شهر يناير حيث كانت درجات الحرارة متدنية وتحت الصفر في العاصمة الألمانية،..قام سفير المملكة الليبية فى بون بالاتصال الخارجية الليبية واطلعهم على ما يجرى امام السفارة الليبية، ولم تمض فترة طويلة  حتى جاءه الرد من الديوان الملكي عبر وزارة الخارجية الليبية مطالبا باسم الملك محمد ادريس ، بفتح أبواب السفارة للمتظاهرين وتزويد المتظاهرين بالبطاطين وتوفير الغذاء اللازم لهم .. يا إلهي،.. أيّ حكمة ،وأيّ اخلاق دولة  كانت تُدار بها بلادنا في عهد اليُسر، والاتزان ،قبل ليلة الانقلاب الدسيسة .
وهذه مقارنة أخرى بين مظاهرتين الأولى وقعت عام 64 م في بون بألمانيا، ضد العهد الملكي،والثانية جرت ضد نظام الجماهيرية في مدينة لندن عام 1984 م ،لكن الفارق  بينهما كان شاسعا في السلوك، والمعنى،.. ففي يوم 17 ابريل من عام 1984 م وقفت مجموعة من الليبيين في وقفة احتجاجية امام " امام ما كان يسمى بـ " المكتب الشعبي" أيّ السفارة الليبية في مدينة لندن احتجاج على اعدامات السابع من ابريل التي يتعرض لها الشعب الليبي في مثل هذا اليوم من كل عام ، ..وما ان تجمع المتظاهرين امام ذلك الوكر،حتى انطلقت عليهم الرصاصات من نوافذ السفارة الليبية في منطقة سانت جيمس اسكوير في سابقة صادمة انتهكت كل الأعراف الدبلوماسية والإنسانية ،..وقد اسفر ذلك الاعتداء الهمجي عن إصابة الشرطية البريطانية ايفون فليتشر بعيار ناري في الظهر،فارقت على اثره الحياة عند وصولها الى المستشفى، كما أصيب ثلاثة عشرة متظاهرا ليبياً في تلك الحادثة الدموية التي كشفت للعالم الوجه البشع الحقيقي للنظام، حين واجه الكلمة بالرصاص، والاحتجاج السلمي بالقتل .
ومن المواقف والاحداث التي لا زالت عالقة بذاكرتي،وقد كنت احد المشاركين يومها في تلك المظاهرة السلمية امام السفارة الليبية في لندن،..
 كانت تقف في الجهة المقابلة مجموعة من عناصر اللجان الثورية "الطلابية "،..كانوا يصرخون بهتافاتهم (الثورية ) وقد استبد الحماس والتشنج الهستيري  باحدهم ،فراح يصيح عبر مكبر الصوت اليدوى قائلا،.. (( نحن جيل بناه معمر .. واللي ايعَادِيْنا يدمر)) ،.. هُتاف واحد لكنه كان كافيا ليختصر ذهنية نظام دموي كامل،..جيل لم يُبنى على المعرفة والقيم، بل على التبعية والكراهية المُطلقة ،وعلى تقديس الفرد، وتحويل الاختلاف الى عداوة،والعداوة الى تبريرٍ للتصفيات الجسدية ،..وما يدعو الى التقزز، والاشمئزاز ،ان صاحب مُكبر الصوت وصاحب هتاف ( نحن جيل بناه امعمر .. واللي ايعادينا يدمر)،يطل علينا من حين لآخر دون حياء ولا خجل مُرتديا بدلته الانيقة ورباط عنقه الحريري عبر بعض الفضائيات المحلية والعربية مُتقمصا دور المُنظر والمٌحلل السياسي ومعلنا تأييده لثورة فبراير،لقد تخلى عن قائده فى رمشة عين ،بلا مراجعة واعتذار ،وتلون كما تتلون الحرباء،مُتنقلا من الهتاف للجلاد الى الادّعاء بالوقوف في صف الضحيّة،في مشهد فاضح للإنتهازية السياسية ،حيث تبدّل المباديء كما تبدّل الاقنعة ،وتستعمل الثورة سُلّماً بعد ان كانت بالأمس هدفا للرصاص .
ومرة اخرى نعود ونتساءل .
هل كانت ثورة فبراير ضرورة حتمية ؟ .
في  عام 2010 م قبل اندلاع غضب وثورة فبراير بعشرة اشهر فقط ،حل الراحل سيف الاسلام القذافى ضيفا على كلية الاقتصاد" LSE " في لندن ،لِألقاء محاضرة عن الديمقراطية ،ومشروع ليبيا الغد الذى وعد به من عدة سنوات، ذلك المشروع الذى وعد به منذ سنوات طويلة غير ان تلك السنوات مضت دون ان يتحقق من وعوده شيء يذكر بإستثناء الافراج عن المعتقلين من الجماعات الاسلامية ،والاسوأ من ذلك انه اختزل ما سماه "المصالحتة مع الشعب الليبي "في هذه الفئة وحدها  مُتعاميا عن ملايين الليبيين الذين كانوا يعانون القهر والتهميش والإرهاب اليومي المُتعمد،وهكذا  ظلّ الشعب الليبي بكل فئاته ومكوناته رهينة لتجارب الاب ونزقه لأكثر من أربعة عقود، يُدار الوطن خلالها كحقل تجارب ،وتؤجل الحقوق والمطالب باسم وعود ليبيا الغد حتى نفذ الصبر، وكان الانفجار .
فماذا حدث فى تلك المحاضرة التى القاها الراحل سيف الإسلام عن الديمقراطية وحقوق الانسان الليبي التي جاء يبشر بها فى العاصمة البريطانية ؟ .
 هل صمد الخطاب امام الاسئلة ام تهاوى الوعد حين وضع في مواجهة الواقع الليبي المثقل بالقمع والدم والوعود المتكررة المؤجلة ؟ .
أيها الكرام ، اسمحو لي ان اعود بحضراتكم الى محاضرة الراحل سيف الإسلام .
اطل برأسه من خلف الزجاج من الطابق الثاني فى تلك الجامعة وهو يستعد لألقاء محاضرته ،وفى الساحة كان يقف اكثر من مئة وخمسين من ((الذئاب المُروّضة )) التابعة لدهاليز المثابات الثورية ،وما ان اقتربنا نحن المتظاهرين السلميين اللذين لم يتجاوز عددنا عشرين شخصا حتى انفلتوا علينا سباً وضرباً معا ،في مشهد يختصر الفارق بين خطاب يتحدث عن الديمقراطية ،واقع لا يعرف منها سوى القمع، وكان من بين تلك" الذئاب الخضراء المُروّضة" التي اعتدت علينا شخص يُدعى محمد إسماعيل وهو اسم عرف في الاعلام والملفات الأمنية السعودية بوصفه احد المتورطين  في قضية المحاولة الفاشلة لإغتيال الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز،وقد كان في معية تلك " الذئاب " المنخرطة في العنف والجريمة  شخصٌ من أبناء النيجر يُدعى "مصطفى والُو"،وهو ممن منحوا الجنسية الليبية آنذاك ،في سياق معروف لخدمة مهام غير قانونية ارتبطت باللجان الثورية ،واشهد هنا بوصفى طرفا مباشرا في الحدث ،ان المدعو "مصطفى والو" قد اعتدى عليّ شخصيا اثناء محاضرة الراحل سيف الإسلام،في تلك المحاضرة التي رُفع لها مفارقة عجيبة عنوان الديمقراطية وحقوق الإنسان ، في مشروع ليبيا الغد ! ؟ .
وفى مساء ذلك اليوم وفى احد افخر فنادق لندن، وعلى إيقاع نشيد (( يا قائد ثورتنا .. على دربك طوّالى )) احتفلت تلك " الذئاب المُروّضة " بواحد من  إنجازاتها الثورية "،في قلب ( الساحة البريطانية )، كان الاحتفال على شرف الراحل سيف الإسلام الذي لم يخفِ رضاه فهنأهم على ولائهم الاعمى  للقائد ،وكأن الدم والضرب والشتائم أوسمة شرف،.. ثم في مشهدِ اقرب الى سوق نخاسة جديد، حيث مُنح كل ذئب من ذئاب الحضائر الثورية ،ظرفاً انيقا يحتوى على الف جنيه استرليني ،ثمنا للولاء ،ومكافأة على القذارة والنذالة المُؤداة بإخلاص  .
فيا الهي ..ما اصبرهم على الإهانات، وما أرخصهم  .
 وعلى بعد ثلاثة آلاف ميل من " الجماهيرية الدموية " لم يَقوّ، الراحل سيف الإسلام على وقفة مدنية قانونية تُطالب بحقوق عِباد الله ، غير انّ الراحل سيف الإسلام لم يصبر،على وقفة سلمية احتجاجية لم تتجاوز مدتها ربع ساعة فقط ،فأصدر صاحب محاضرة "الديمقراطية" ومشروع ليبيا الغد أوامره الى محمد إسماعيل لضرب المشاركين بها وتفريقهم ، ،بالقوة فى لندن حيث تحترم الصحافة وتصان حرية التظاهرالسلمي ، عكس ما يحدث  في حضرة جماهيرية الرعب والشطيح الثوري .
ايها الاحبة الكرام .
اسمحوا لي ان انتقل بحضراتكم من لندن الى مدينة الزنتان  .
وبداية لا شماتة فى الموت ،..فالموت كأس وكل الناس شاربه .
وعليه ،فانني لست شامتا فى موت الراحل سيف الإسلام معمر القذافي ،غير انني"بالفم المليان" أقول أنّ سيف الإسلام القذافى كان محظوظا في موته إذ حظي بقبرٍ في موته يضم جسده، وأقيمت له جنازة ،في مدينة بني وليد .
كان الراحل سيف الإسلام محظوظا في موته إذ لم يعامل جسده كما عامل والده معمر القذافى اجساد ضحاياه ،فقد كان يقتلهم ثم يصفهم " بالكلاب الضالة " ويمنع دفنهم في بلادهم ،ويحظر على اهاليهم  نصب خيام العزاء أوتقبل التعازى في أبنائهم، بل كان يرمي بجثثهم في البحار وفى بطون الصحارى بعيدا عن اعين امهاتهم وابائهم وابنائهم، وعن وجع الانتظار الطويل   ..لقد كنت محظوظ يا سيف الإسلام لقد حظيت بقبر وشاهدٍ يقف فوقه،بينما حُرم غيرك حتى من اسم على تُراب .
لقد كنت محظوظ يا سيف الإسلام ، فوالدك اشتهر في نظر كثيرين بإنتهاك حرمة قبور الليبيين ،حتى قبر المصلح الكبير سيدي محمد بن على السنوسي في مدينة الجعبوب تم نبش قبره وقبور بعض أبنائه ومريدية وألقيت بقاياهم في الصحارى الشاسعة ، رغم أن سيدى محمد بن على السنوسى قد واراه الثرى في  الجغبوب منذ اكثر من قرن  .
 أيّ قسوة تلك التي لم تكتفِ بمطاردة الاحياء ،بل امتدت الى حرمة الموتى، وأيّ زمن ذلك الذى صار فيه القبر ميدانا للصراع وتصفية للحسابات مع نبلاء الوطن .
فكم انت محظوظا يا سيف الإسلام حيث حظيت بجنازة وقبر .
فغيرك من ضحايا ابيك كانت تكتب عنهم بالخط العريض صحيفة الزحف الأخضر الناطقة بلسان "جماهيريته"، ( ان ارض الاحرار لا تقبل ان تدفن فيها الجيف النتنة ) هكذا كانت صحف وإذاعات والدك تصف أبناء الوطن أولئك الذين لم تكن جريمتهم سوى أنهم قالوا لا  أو حلموا بوطن لا يُدار بالخوف ،والهتافات الصاخبة  .
ان حكاياتنا وأحزاننا ورُعبنا ودموعنا وحرماننا ومنعنا من إقامة مآتم احبتنا وغوالينا في جماهيريتكم الدموية كانت شاقة وطويلة حزينة ،وهي وحدها التي فرضت عَليَّ هذا " البوح "،يوم رحيل سيف الإسلام الآبدي .
ولا ابالغ ان قلت إنّ آلافاً من ضحايا والده حرموا من  القبور، اكلهم الجوع الكافر وافترستهم الضوارى وهم هائمون على وجوههم في صحارى تشاد وفي مستنقعات وغابات اوغندا دفاعا عن الدكتاتور عيدي امين دادا رفيق السوء والضلال لوالده ،..أو ليس لهؤلاء عندهم أبناء وأباء وأمهات يبكونهم ؟ ،أو ليس لهم اهل يبحثون عن قبورهم ليقرأوا الفاتحة على أرواحهم ويجدوا موضعا يضعون عليه دمعة ودعاء .
ألم اقل لحضراتكم ان سيف الإسلام  كان محظوظا حين وجد قبرا يتسعه ويأوي جسده في وطنه ؟ .
في حين ان والده الذى نصب نفسه ملك ملوك افريقيا ( بالدوغشة) وبأموال شعب مرهق،فقد اصدر أوامره بمنع دفن الملك المُعظم سيدى محمد ادريس السنوسى في مدينة الجغبوب يوم توفاه الله في المنفى بمصر، عن عمر ناهز الثمانين عاما ،وقد كانت وصية الملك محمد ادريس السنوسي ان يدفن في الجغبوب حيث قبور أبائه واجداده الكرام  ،غير ان حتى هذه الوصية البسيطة الإنسانية لم تحترم، في زمن والده الذى كان يعادي الاحياء ويطارد الموتى معاً  .
وحق الله العليّ في سماه ،أن الموت حق ولا شماتة فى الموت  .
لقد كان الراحل سيف الإسلام محظوظا ،اذ لم يوضع جسده في ثلاجات الموتى كما فعل والده بجثمان المناضل الكبير الأستاذ منصور رشيد الكيخيا الذى اغتيل بعد خطفه من مصر واحتجز جسده الطاهر في ثلاجة الموتى، خمْسًا وعشرين سنة كاملة ،ولم يفرج عن جثمانه الا بعد سقوط الظالم المستبد ،.. ولم يكن الشهيد منصور رشيد الكيخيا وحده هناك،بل كانت تلك الثلاجات، تضم عشرات من شهداء الوطن ، حَولهم المستبد الى اسرى حتى بعد موتهم ! ، فأيّ قسوة هذه التي امتدّت من قتل الانسان الى حبس جسده  ؟ .
الم اقل لحضراتكم ان سيف الإسلام كان محظوظا ؟ .
لقد حُظيَ بِما لم يحظى به غيره من معارضي والده : ففي  ذلك العهد البغيض كانت سيارات النفايات تحمل جثامين شهداء الوطن وتطوف بها في الشوارع تخويفا وإذ لالًا  للناس، واستهتارا وشماتة في الأموات ضحايا طغيان والده .
فه كانت ثورة فبراير ضرورة وحتمية  ؟ .
فيا الف الف اه، وآه .
الم أقل لِحضراتكم ان حظ سيف الإسلام يفتت حجر الصوّان الاصم،.. فقد تم اُكرام سيف الإسلام بجنازة ،وقبر بِشاهده، في مدينة بني وليد تلك المدينة التي ذاقت سوط العذاب، وقسوة والده حين اعدم عدد من أبنائها العسكريين عام 93 م فى ما عرف بانقلاب "ورفلة "،حيث نفذ فيهم حكم الاعدام رميا بالرصاص فى محاكمة صوريةٍ لم تستغرق عشرة دقائق فى احد شوارع بني وليد، بل بثت مباشرة عبر فضائية الجماهيرية ،فى مشهد فج من الإذلال، والأغرب  والأقسى ان احد أولئك المعدومين، من أبناء بني وليد كان مصابا بسرطان فتك بكبده، ولم يشفع له داؤه ولا ضعفه، فَـنُـفِذ فيه حكم الإعدام رميا بالرصاص فى مدينته ،بني وليد ، امام كل الناس وخاصة بقية أبناء عمومته الذين رأينا بعضهم بالأمس القريب يتباكون ويلطمون على وفاة الراحل سيف الإسلام .
فيا الف الف آه، وآه .
ايها الاحبة الكرام .
كنت  قد كتبت هذا البوح وهذا الكم الهائل من ( دراه الكبد )التى عاناه وشهدها كل الليبيين، على ان انشره في ليلة 17 فبرير من هذا العام إحياء  لذكرى ثورة فبراير التي خطفت وركب موجتها اللصوص وقطاع الطرق والخونة ،والانتهازيون ،..غير ان رحيل الراحل سيف الإسلام وماشهدناه من مبالغة في العواطف والمشاعر المُتقلبة خلال الايام الماضية  فرض نفسه ،فكان هذا الإستباق فالمعذرة عن هذا لاستباق،ولنا عودة  الى ليلة السابع عشرمن فبراير، ..إن كان في العمر بقية  . 
ومعذرة على الإطالة .
وسلامتكم .. والشفاعة يا رسول الله . 
والبقاء والدوام لله ،وإنا لله وإنا اليه راجعون ..  بقلم الكاتب فتح الله بزيو

هناك تعليقان (2):

  1. لذلك كان موته بل قل موتته حقيقة في شكل زيف شك وسط اليقين

    ردحذف
  2. من الواضح أننا نعاني كومة من الأمراض النفسية والعقد الاجتماعية متلازمة التناقض نقف مع صاحبنا إلى درجة الخذلان ونتعصب لرأيه إلى حد الغباء ونبكي عليه لدرجة السعادة.لذلك ازمتنا حلها أزمة والتفكير فيها يعد ترف وأخيراً ليس لها من دون الله كاشفة.

    ردحذف

هرطقات القذافي