عندما ذابت أجنحة إيكاروس.. سيف الإسلام بين الصعود والخيبة
5 فبراير، 2026
ذات يوم من أيام نالوت المملة في منتصف الألفينيات، استيقظت على صورة ضخمة لسيف الإسلام القذافي، وقد علقت غير بعيد عن صورة بنفس الأبعاد تقريبا لوالده، كان ذلك إعلانا بأن زيوس قد تناسل كما يبدو وأنجب إلها جديدا، وعلى الجماهير الشعبية أن تستعد لفصل جديد من طقوس العبادة ومراسم التكريس، كانت تلك الإطلالة جزءا من جولة قام بها سيف الإسلام القذافي حول مدن عديدة على طول البلاد وعرضها، وقد اتبعه رهط غير قليل، عاقدين الأمل فيه على كسر دائرة اللاحياة التي طبعها والده على هذه البلاد لعقود طويلة، وبالطبع، التف حوله أفضل خريجي مدارس الهتاف وال”زيد تحدى” والبراعم التواقين لفرص الصعود، كنت أعرف بعض من التصق به معرفة شخصية، شخصيات فارغة انتهجت ما يتجاوز البراجماتية إلى انحطاط لا قرار له في مهاوي التطبيل والانتهازية.
محاطا بكل هؤلاء، خرج سيف الإسلام القذافي في مشهد كان قبله يائسا، وبعث أملا غير موثوق في إمكانية أن يتغير شيء ما، كان التوقيت مثاليا، فوالده الذي مارس طفولته ومراهقته في الحكم، وعبثت نرجسيته وتقلباته وعناده غير السياسي بمصير البلاد، كان قد بلغ الحلم أخيرا، وتخلى عن كثير من أوهامه، بل ارتد على كثير من مبادئه الرئيسية، فالدول الإمبريالية لم تعد إمبريالية جدا، والفلسطينيون لم يعودوا محقين تماما، بل أغبياء فوتوا فرص السلام، السلام نفسه الذي طالما صلبه وجلده في خطاباته، أصبح فرصة ضائعة، الإشتراكية لم تعد فكرة غير قابلة المساس.. ملامح الرأسمالية ورموزها كانت قد غزت المدن الليبية تدريجيا، والوحدة العربية التي أوقف الملايين ليتغنوا بها، صارت نكتة في كلماته المرتجلة أمام جموع المرتعشين، -لاحقا- حتى السيادة، كانت قابلة للتفاوض، وقد سمح للمجتمع الدولي بالتدخل من الأسلحة الكيماوية وحتى المساجين والشأن القضائي، لم يكن قد بقي من قذافي الثمانينات والسبعينات سوى نرجسيته المريضة، ومرآته التي يرى نفسه فيها إلها محاطا بالنساك، يبحث عنهم في واقادوغو وأنجامينا بعد أن أضلهم في دمشق والقاهرة.
كل ذلك جعل الأمل مضاعفا، ثمة كوة ترى بوضوح في الجدار الذي ظن الجميع أن لا سقوط له، شيء ما على وشك أن يحدث بعد أن أيس الجميع، إعلانات متلاحقة لمشاريع، ملتقيات تتلو أخرى، وعود تقطع، مشهد سريالي لجموع من الحالمين والعابثين والقطط السمان والحرس القديم المتوجس من الإيقاعات الجديدة لنغمة لطالما كانت تعزف على وتر واحد، دون سلالم، وخلف هؤلاء جميعا هناك القذافي الأب، وحوله ما تبقى من “الهاربيز” الذين لا يعيشون دون احتقار وأذية الآخرين.. كان هناك مواجهة يصعب تجنبها.. ولم يجر الإعداد لها بشكل واضح.
وفي ذروة تحليقه، ومع اقترابه من شمس الفاتح، ذابت أجنحة “إيكاروس” وهوى إلى الأرض مرة أخرى، أصبحت الوعود بالتغيير سرابا، وبدا لكثيرين أن الاندفاع الكبير وراء “الغد” كان مبالغا فيه، فأبناء الأمس مازالوا قادرين على إدارة اللعبة، وقد أثبت والده أنه ما يزال في ضلاله القديم، قادرا على اختراع الأعداء وخوض معارك على طريقة “الدون كيخوته”، فاتهم الفيفا بالتآمر حين سخرت من ملف ليبيا وألقته في المزبلة رافضة التصويت عليه، وأعلن الجهاد ضد سويسرا بسبب مشكلة تافهة مع أحد أبنائه، وفيما عدا بعض المشاريع التي ظلت صامدة، فإن الإحباط عاد، وقد عاد لينتقم، مضاعفا ثقيلا قاسيا على الجميع، غير قابل للإزاحة مرة أخرى.
كانت المعركة داخلية في الحقيقة، فقد كان سيف الإسلام نفسه نصف متعلم، ونصف متخلف، نصف قبلي ونصف متمدن، نصف إصلاحي، نصف ظل لوالده ونصف مارق عنه، وكان على كل نصف أن يهزم الآخر، وفي كل اختبار حقيقي كان ينتصر نصفه السيء، في مقابلته على الجزيرة حين سألته صحفية عما يرغب في رسمه، أجاب بلغة حمقاء: نرسم بحر ليبيا.. ونقول اللي مش عاجبه بابا يشرب منه!
في كتابه الذي صدر قبل عشر سنوات، يروي مستشاره محمد الهوني تفاصيل ليلة ما قبل خطاب “الإصبع الشهير”، متحدثا عن نص وسيناريو مختلف تماما جرت مناقشة إلقائه من قبل سيف الإسلام، يتضمن لغة تصالحية وتصحيحية، لكن اجتماعات جرت بينه وبين والده وبعض حاشيته أفضت إلى خطابه الشهير، واحد من أغبى الخطابات التي يمكن أن يكون سياسي قد ألقاها في التاريخ، الكلمات التي أفضت إلى لحظة اللاعودة، والانفصال التام بين مؤيديه ومعارضيه.
لاحقا، وأمام جمع ممن تبقى من أنصاره، أعلن سيف الإسلام القذافي عن إستراتيجية ما بعد النصر، مؤكدا أن الجيش سيعاد هيكلته ليتكون من قبائل معينة ومدن معينة فيما ستحرم مدن وقبائل أخرى من الانخراط فيه، عقابا لهم على معصية والده، إلى جانب ترهات أخرى اختفى فيها “الإصلاحي المتعلم” خلف قبلية تنتمي لجاهلية والده الذي يصر على معرفة جدا كل من يخاطبه ليحكم عليه من قصص جدته، ويحمله جريرة أساطير الأولين، وخيالات الشعراء والحكائين.
كان سيف الإسلام “أوديب الخائب” كما تصفه رجاء سلامة في تقديمها لكتاب الهوني، كان نجاحه يمر فقط من خلال إقصاء والده، وكان يمني نفسه بذلك، لكنه كان يجبن في كل مرة، لم يتردد في انتقاد سياسات والده من خلال رجل قش يسميه القطط السمان والمتنفعين والأشخاص اللي مافهموش الكتاب الأخضر إلخ، لكنه كان يتراجع في كل مرة تصل فيها المواجهة للحظة الحقيقة، لم يكن سيف الإسلام مؤمنا بترهات الكتاب الأخضر والفكر الثوري والمؤتمرات الوهمية، لم يكن يؤمن بها أحد في الحقيقة، لكن، في اللحظات المصيرية كان مضطرا للتمترس خلفها. في كل ما يتعلق بسيف الإسلام هنالك هذه ال “لكن”.
أفهم الإحساس المعقد والكلمات المضطربة التي تسيطر على البعض وهم يتناولون خبر وفاته، إنه شعور طبيعي، لأنك أولا كائن بشري.. يمكن أن تشعر بأشياء متناقضة، ويمكن أن تتخذ مواقف مركبة ومعقدة، والأهم.. لأن سيف الإسلام القذافي كان كذلك! لم يكن شخصا واحدا.. كان مترددا، شكاكا، وريثا لعائلته في الصباح، ومتمردا عليها في المساء، لقد كان كل شيء ولا شيء، وهذا ما سمح لكل أحد برسم صورة خاصة لسيف، بنفس موهبته المتواضعة في الرسم، والخيارات غير المحدودة لملامحه الهلامية، لقد كان سيف مجرد أمل زائف في توقيت يائس… فالرفق ببعضكم.
بقلم .. خليفة البشباشي
.قراءة «كتاب العِبر» ومقدمته لابن خلدون ليست فعلًا معرفيًا محايدًا، بل تجربة مقلقة، لأنها تنقل القارئ من موقع المتابع إلى موقع الشاهد على التكرار. فالتاريخ، في المنظور الخلدوني، لا يتحرك وفق منطق الصدفة أو الأخلاق، بل وفق قوانين الاجتماع البشري، حيث تتقدم المصلحة على القيم، وتتحكم العصبية في المصير، ويُترك الضعيف وحيدًا حين تعجز الجماعة عن تحمّل كلفة الانحياز. وحين يُقرأ هذا المنطق ثم يُسقط على الواقع المعاصر، يصبح الإحساس بالإنهاك أمرًا طبيعيًا، لأن ما نراه اليوم ليس جديدًا، بل استعادة حرفية لمسار قديم.
في هذا السياق، لا يبدو مشهد التباكي المتأخر على سيف الإسلام القذافي استثناءً أو حالة ليبية خاصة، بل حلقة جديدة في سلسلة تاريخية متكررة: خذلان الأحياء ثم تقديسهم بعد السقوط. فحين كان الرجل حاضرًا، مثيرًا للجدل، محتاجًا إلى موقف واضح وعصبية فاعلة، غابت النصرة، وتراجع المؤيدون، واشتغل الجميع بمنطق السلامة الفردية. لم يكن الصمت حينها موقفًا أخلاقيًا، بل حسابًا عقلانيًا للكلفة. وعندما انتهى المشهد، وصار البكاء آمنًا، ظهر الندم، وارتفعت الأصوات، وتحوّل الخذلان إلى قصة حزن جماعي.
ابن خلدون يفسّر هذا السلوك ببرود العالم الاجتماعي لا بعاطفة الواعظ. فالناس، في لحظات الاختبار، لا تسأل عن الحق بقدر ما تسأل عن الثمن. العصبية، التي يراها أساس قيام الدول وسقوطها، لا تتحرك بالشعارات ولا بالمحبة المجردة، بل بالمنفعة المشتركة والاستعداد للتضحية. وحين تغيب هذه العصبية، يُترك الفرد، مهما كانت رمزيته، مكشوفًا أمام خصومه، بينما يكتفي أنصاره بدور المتفرج الحذر.
هذا المنطق ليس خاصًا بليبيا ولا بسيف الإسلام، بل هو ذاته الذي حكم وقائع كبرى في التاريخ الإسلامي وغيره. مأساة الحسين في كربلاء، في القراءة الخلدونية، ليست حدثًا فريدًا بقدر ما هي النموذج الأولي لدورة متكررة: وعود تُقطع، رسائل تُرسل، تعاطف يُعلن، ثم انسحاب جماعي حين يحين وقت الفعل. وبعد الفاجعة، يبدأ طور آخر من السلوك الجمعي، هو طور البكاء والندم والمراثي، وكأن الدموع يمكن أن تعوّض غياب النصرة. هنا يتحول البكاء من تعبير إنساني صادق إلى وظيفة اجتماعية تريح الضمير دون أن تغيّر الواقع.
في الواقع السياسي المعاصر، يؤدي البكاء الدور نفسه. فهو طقس منخفض الكلفة، لا يهدد سلطة، ولا يزعزع توازنات، ولا يعرّض صاحبه لخطر. لذلك يُسمح به، بل يُشجَّع عليه أحيانًا، بينما تُحاصر النصرة الفعلية وتُجرَّم، لأنها تعني انحيازًا واضحًا، ودفع ثمن، وكسرًا لمنطق الحياد الزائف. وهكذا يصبح البكاء بديلًا عن الفعل، ووسيلة لإعادة إنتاج الشعور الأخلاقي دون تحمّل تبعاته.
المجتمع الليبي، في هذا الإطار، لا يعاني من غياب الشجاعة الفردية بقدر ما يعاني من تفكك الفعل الجماعي. فالأفراد قد يمتلكون قناعات، وربما تعاطفًا صادقًا، لكنهم يفتقدون الإطار العصبي الذي يحوّل القناعة إلى قوة مؤثرة. كل واحد يحسب موقعه، ومخاطره، وحدود خسارته، ثم يتراجع خطوة إلى الخلف، في انتظار أن يتحمل غيره العبء. وعندما يسقط المشروع أو الشخص، يبدأ تبادل الاتهامات، ويُلقى اللوم على الظروف أو الخارج أو الخيانة، دون مواجهة السؤال الجوهري: هل كنّا، فعلًا، مستعدين للدفع حين كان الدفع ممكنًا؟
تقديس الموتى في هذا السياق ليس دليل وفاء بقدر ما هو تعويض نفسي عن خيانة الأحياء. فالميت لا يطالب، ولا يحرج، ولا يذكّر بالتقصير، ويمكن تحويله بسهولة إلى رمز نظيف، منزوع الخطر. أما الحي، فهو مشكلة، لأنه يفرض سؤال الموقف الآن، لا بعد فوات الأوان. لذلك تُرفع صور القتلى، وتُكتب فيهم المقالات، وتُلقى الخطب، بينما يُترك الأحياء وحدهم في لحظة الاختبار.
القراءة الخلدونية لهذه الظاهرة لا تمنح عزاءً، لكنها تمنح وضوحًا قاسيًا. فهي تقول إن التاريخ لا يُدار بالنيات، بل بالاستعداد لتحمّل الكلفة، وإن القضايا لا تسقط لأن خصومها أقوياء فقط، بل لأن أنصارها لم يكونوا مستعدين للدفاع عنها في الوقت المناسب. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا بكى الناس بعد السقوط، بل لماذا غابوا قبلَه.
ربما لهذا يبدو ابن خلدون متعبًا لكل من يقرأه بصدق، لأنه لا يسمح لنا بالاحتماء بالأخلاق المجردة أو العواطف المتأخرة. إنه يضعنا أمام مرآة غير مريحة، ويقول إن التاريخ يعيد نفسه ليس لأننا لا نفهمه، بل لأننا نفهمه جيدًا… ثم نختار السلامة.
بقلم الكاتب سليم اشطيبه

لذلك كان موته بل قل موتته حقيقة في شكل زيف شك وسط اليقين
ردحذفمن الواضح أننا نعاني كومة من الأمراض النفسية والعقد الاجتماعية متلازمة التناقض نقف مع صاحبنا إلى درجة الخذلان ونتعصب لرأيه إلى حد الغباء ونبكي عليه لدرجة السعادة.لذلك ازمتنا حلها أزمة والتفكير فيها يعد ترف وأخيراً ليس لها من دون الله كاشفة.
ردحذف