الفصل الأول: لحظة القبض – بداية الحكاية
لم يكن عام 1993 يوماً عادياً في حياتي. كنت أعيش بين عائلتي وأطفالي ووالدتي، حياة بسيطة ولكنها مليئة بالمسؤوليات. وفي لحظة لم أتوقعها، انقلب كل شيء.
اقتحمت قوات الاستخبارات العسكرية قبضوا عليا في مدخل إجدابيا الشرقي قادما من بنغازي وما هي الا لحظات حتى داهموا البيت لتفتيش، ضجيج أقدامهم، صراخ الأوامر، ووجوه لا تحمل أي معنى للرحمة. في ثوانٍ، انقطعت صلتي بالعالم الذي أعرفه. رأيت في عيون أطفالي خوفاً لم أره من قبل، ورأيت على وجه والدتي انكساراً لن أنساه ما حييت.
ذلك المشهد ظل يرافقني في كل ليلة داخل السجن… كان الوجع الحقيقي يبدأ من هنا، من تلك اللحظة بالذات.
الفصل الثاني: الطريق إلى المجهول
لم يخبروني إلى أين يأخذونني، ولم يسمحوا لي بكلمة أو حتى نظرة وداع. رُميت في سيارة مغلقة، وبين الضرب والسباب كانت أولى محطات العذاب ، علمت لاحقاً أن رفاقي في المدن الأخرى تعرّضوا لما هو أسوأ. عشراتٌ منّا اعتُقلوا في كل مكان ، واعتُقل أيضاً أقاربي ، كان النظام يريد أن يُغلق على أي صوت ، حتى لو كان الصوت مجرد فكرة.
الفصل الثالث: زنزانة لا تعرف النهار
في السجن العسكري، دخلت أول مرة إلى زنزانة انفرادية ضيقة، جدرانها رمادية، ورائحتها تختلط فيها الرطوبة بالخوف ، لا نافذة حقيقية… فقط فتحة صغيرة يدخل منها هواء بارد كالسكاكين ، هنا تبدأ الحسابات الجديدة:
وقت بلا معنى ، يوم يشبه يوم ، ونوم متقطع يُطارده صوت الحراس ، لا زيارات ، لا دواء حتى لو اشتدّ المرض ، لا طعام يُشبه الطعام ، وأكثر ما يؤلم ، أن لا أحد خارج تلك الجدران يعرف حالك أو يسمع أنينك.
الفصل الرابع: المحكمة الصورية
بعد أشهر من الصمت والانتظار، أُبلغنا ببدء المحاكمة ، كنا نظن أن الأمل يلوح أخيراً، لكن ما رأيناه لم يكن محكمة… كان مسرحاً بائساً ، محامون ؟ نعم ، وُضع أمامنا رجال بزيّ عسكري، يسمونهم محامين، لكنهم كانوا جزءاً من النظام نفسه. لم يرفع أحدهم رأسه ليقول كلمة دفاع. كانوا أدوات، مجرد أوراق بشرية توقّع وتنفذ ، كنا نُنقل من زنازيننا الانفرادية إلى القاعة مكبّلين، يُرفسنا هذا ويدفعنا ذاك، وكأن المعاملة جزء من الحكم قبل صدوره.
الفصل الخامس:
سنتان من الانتظار ، عامان كاملان ، عامان من جلسات تُعقد بلا هدف ، وقرارات تُؤجّل بلا مبرر ، عامان من الانتقال المهين ، والعودة إلى ظلام الزنزانة.
في تلك الفترة، كثيرون انهاروا صحياً ونفسياً ، لكنني كنت أقاوم على بصيص صغير من الأمل … أحياناً أظنه وهماً ، وأحياناً أتمسك به كالغريق.
الفصل السادس : الأحكام
في ذلك اليوم ، دخلنا القاعة ، والهواء كان أثقل من أي يوم مضى ، لم يتحدث أحد ، لم يتحرك أحد.
ثم بدأت الأحكام تتلى… ثمانية من رفاقي حُكم عليهم بالإعدام : ستة رمياً بالرصاص ، واثنان شنقاً ، كان الخبر يسقط علينا كالصواعق ، أما الآخرون ، فتناثرت أحكامهم بين المؤبد، والعشرين ، والعشر ، والثلاث سنوات ، ظلمٌ كُتب بالحبر لكنه كان يغرس خنجره في الروح.
الفصل السابع: الحياة بين الجدران
عُدنا جميعاً إلى زنازيننا ، لكن شيئاً عميقاً انكسر في الداخل ، لم يسمحوا لنا بالشمس ، ولم يُعطونا دفئاً يحمي أجسادنا في الشتاء ، الماء الساخن للاستحمام كان حلماً بعيداً ، والطعام أقرب إلى العقاب منه إلى الغذاء.
كانت الأيام تسير ببطء قاتل، والليالي طويلة بلا نوم ، إلا أن شيئاً واحداً ظل حيّاً فينا… شيء لم يستطع الجلاد قتله: الإيمان بأن الظلم لا يدوم.
الفصل الثامن: ما بعد الألم
مرت الأعوام، وبقيت ذكريات تلك المحاكمة الصورية محفورة في داخلي ، ليست مجرد أحداث ، بل جرحٌ ترك ندبة لا تزول، ودرساً بأن الحرية لا تُعرف قيمتها حتى تُسلب بالكامل.
هذه المذكرات… ليست إلا محاولة متواضعة لكي أترك أثراً يشهد أننا كنا هناك، وأننا صمدنا رغم كل شيء. وللحديث بقيه
الامين السنوسي الفرجاني







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق