يشركك الكاتب في حوار مع نفسه فتحاور نفسك نفسه… فتتفقان أحيانا وتختلفان أحيانا أخرى.. إلا أنك تدخل في تجربة نفسية فريدة من نوعها فحوار الأنفس غير حوار الألسن لأنه في حوار الأنفس يكون الخيال واقع مبني، والهواجس حدث يصدق لا وجود لكلمة لا يمكن أن يحدث … حوار راقي يسمح لك الكاتب أن تكون جزء منه.
يتميز الكاتب بقوة عضلاته الأدبية فتراه يستعرضها على القارئ كلما سنحت له الفرصة، فله وصف مميز للشخوص حتى أنه يرسم لك لوحة متكاملة الألوان بكلماته..
يقدم الكاتب تجربة إنسانية تربط ما يدور بالنفس بالمكان الذي يتواجد به الإنسان، كيف يمكن للإنسان أن ينأى بنفسه عن المكان وما يتم تصميمه في المكان، فتارة يكون لتصميم المحتوى المادي في المكان في روايته الدور الأكبر في تجربته الإنسانيه وتارة الأخرى يكون الدور الأكبر لقدرته على عزل نفسه عن المحتوى المادي للمكان
كمصممة داخليه وصف الكاتب للمساحات الداخلية وكيفية تفاعل الأفراد مع ما تم تصميمه أمر جدا ملهم ففي روايته يحول الكاتب المكان المصمم (السجن) إلى شخصية لها كيانها ودورها في صياغة الرواية …وهذا قد يختلف مع النسق العام لكثير من الروايات التي تستخدم المكان كإطار يربط أحداث الرواية وليس
كشخص له دور أساسي في الرواية
يمزج الكاتب لغة الأدب بالهندسة فيحول الأشياء المادية المخطوطة إلى معاني حسية يستشعرها القارئ.. فكلماته تجعلك ترسم مسقطا أفقيا وآخر عموديا في رأسك ويترك لعقلك حرية إنهاء ما بين المسقطين
الكتاب يجعلك تفهم الناس من خلال التأمل في تفاصيل وجوههم والتعابير التي يرسمونها من خلال تفاعلهم الأمر الذي يعلمك أن تتقن فن الإنصات للآخرين ويمنحك قدرة أقوى على فهم كلامهم لأن الكلمات ماهي إلا جزء مما يود الإنسان الحديث عنه تخطئ فهمه إذا لم تربطه بتفاصيل وجهه
يسلط الكتاب الضوء على الجانب الإنساني والقصور العاطفي البشري لبعض الشخصيات السياسية المعروفة حيث غالبا ما يناقش فكر وفعل هذه الشخصيات إلا أن الكاتب من خلال صحبته لهم في السجن يتناولها من جانب آخر نغفل عنه كثيرا
عندما تقرأ هذا الكتاب الذي تدور أحداثه بشكل أساسي في السجن حتما ستعي قيمة ما تملك من حرية ووقت ومصادر آخرى تغفل عن قيمتها لأنها في متناول يديك ولست محروما منها كما هو حال من هم في السجن
الكتاب لا يصلح لمحبي القراءة السريعة فهذا الكتاب كتب لتطيل قراءة كلماته وتعيشها الكتاب يخاطب عقلك وروحك ولن تستوعبه إذا أردت أن تمر عليه مرور الكرام
ومن الكتاب احتفظت بهذه القصاصات:
“كم أضعنا أنفسنا في متاهة الحياة… ولكننا التقينا بها مصادفة أو قدرا ونحن ننبش ذكرياتنا”
“بين فاصلين زمنيين يلتقط المرء أنفاسه، ليصغي إلى إيقاعها وهي تدور من جديد”
“ليس سهلا أن أقفني لأسلم علي، بعد أن أنكرتني …”
“الزنازين أوطان المعتقلين..”
“إن أي قطعه زرقاء من السماء تساوي نصف حرية وثلاث أرباع كرامة”
“المعهودات تصبح ثمينة إذا انحازت إلى صفة المفقودات…”
“كتبت فوق جدار السجن أهواك
وفِي لياليه شاق القلب نجواك
شقيه أنت مازالت تعذبني
وتذبح الروح إن حنت لذكراك”
“ما أسهل أن تبكي…ما أجمل أن تبكي..ماأروع أن تبكي لترتاح!!
أرتاح من ماذا؟ من ذكرياتي..من قصائدي…من مسيرة حياتي..من ألوية أشواقي”
”إذا أنجن ربعك عقلك ما بنفعك”
“نحن ما نحمل في قلوبنا من فتات الحنين، وما نخزنه في ذاكرتنا من جداول التجربة.
التجربة تعطي والحنين يأخذ. التجربة تبني والحنين يزخرف. ومابينهما نترعرع” أيمن العتوم
“ولكن القلم ذكر، والورقة أنثى ، وحتى يثمر الإبداع يجب أن يتم التلاقي بينهما”
“أليس القلم رصاص فكرة !!”
“أن الماء إذا لم يجر أسن، يبقى الماء عذبا إذا ظل منسابا، وحين يتوقف عن الجريان ، يواجه أحد أمرين: إما أن يتبخر في أعالي السماء، وأما أن يغور إلى بواطن الأرض وفي الحالتين يفقد حياته، ويتنازل رغما عن وجوده.” أيمن العتوم
“وهكذا تقزمنا في مجموعة أرقام اعتباطية تتغير بتغير طرائق العد. أكنا بالفعل أرقاما لا أسماء، ورموزا لا ذوات ؟! “
“القيود لا تقارن في سلبيتها مع ما تهبه من التجارب المتنامية في إيجابيتها”
“صلاة الفجر معراج الروح، ونزعة الخلاص من براثن الجسد ونفخة علوية تهبط على قلوب المريدين وطائر ينقر أذن النائم مرة واحدة “
“إنما ينتبه القلب وتغفل بقية الجوارح”
“هل الأحداث تغير شكل الوجوه؟!”
“وهل مر السنين ، وكر الشهور والأيام يعمل مبضعه في خطوط الوجه، فيشكلها على هواه هو؟”
“كم من الوجوه أخطأنا في قراءتها، لأننا لم نترك لأنفسنا مسافة بين النظرة الأولى والرأي الأول”
“ولمحت في مرآة بؤسك صورتي
وقرأت فوق إطارها عنواني”
“إن الشعر كتب ليسمع لا ليقرأ”
“ماذا تفعل الأحلام بِنَا؟”
“كم يحتاج الزعماء في العالم ليقتنعوا أنهم غير مقنعين”
“ما أصغر الكون حين يصغي إلى وقع الروح”
“ما أخسر الإنسان إذا بقي يثرثر دون أن ينصت”
“وأخذت بوصلتهم تشير إلى كل اتجاه، وإلى لا اتجاه”
“من اللذي اخترع السجن؟”
“وكم من منجب في تلقي الدروس
تلقى الحياة فلم ينجب”
“كان هو كل الكلام وكل المعنى وكل الحياة…”
“كان يكبر في تضحياته مليون سنة، وكنت أصغر أمامها مليون قرن!!”
“لم نعد نفرق بين وطن وسجن، ولا بين مجتمع وسجناء. نحن كنّا المجتمع غير أن مواقعنا تختلف!! هل تشكل الجدران التي تحتجزنا وراءها فرقا بيننا وبين من يلهث من الناس خارجها!!؟ لا ندري ربما”
“كانت القراءة تعطيني مساحات من الحرية أوسع مما لو صنعها خيالي بنفسه، بل أوسع من تلك المساحات التي تعطيها القراءات ذاتها خارج السجن”
“ صنعت حريتي التامة في أشعاري… هربت إليها”
“في ظل كلماتي شعرت بالدفء “
“كان شعري أنا، صورتي في مرآة قلبي”
“إننا حين نقرأ.. لا نقرأ سطورًا بل نقرأ أرواحا”
“إن جريمة الفكر لا تفضي إلى الموت إنها الموت نفسه” جورج أورويل في رواية ١٩٨٤
“العشق امتلاء النفس بمن تحب، حتى لا يعود لك فيها منها شئ، كلك له”
“مر العيد دون كعك ولا خبز ولا حلوى من يد أم حانية، مر دون عناق لمن تحب، مر دون كلمة دافئة من فم سخي…”
“الحرية …حياة”
“كان علي أن ألملم شتات نفسي، وأجمع ما تناثر من ذاتي في الممرات وعلى الأبواب وفوق الأبراش …”
فاطمة قايد

