الاثنين، 30 يونيو 2025

رحل الاستاذ عيسى زغدود


 

     تنعي الجمعية الليبية لسجناء الرأي أحد أعضائها الكرام ، السجين السياسي السابق ، الأستاذ الفاضل عيسى ساسي امحمد زغدود ، الذي وافاه الأجل عن عمر ناهز السادسة والثمانين عامًا ، بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء ، والصبر الطويل على الظلم ، والثبات في ميادين الحق ونصرة الدين.

    إننا إذ نُعزِّي أنفسنا في هذا المصاب الجلل ، نسأل الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ، ويجزيه عن صبره ومواقفه خير الجزاء.

    وُلد الشيخ عيسى زغدود بمدينة نالوت سنة 1939م، وعُرف بإسهاماته في الدعوة ونشر التراث رفقة مشايخ نالوت الكرام ، وعلى رأسهم خاله الشيخ علي يحيى معمر ، الذي لازمه ورافقه في كثير من رحلاته الدعوية والعلمية. وكان الشيخ عيسى من الشخصيات البارزة التي تحفظ لنا سجلًا حيًّا لذكريات ومواقف وأخبار تلك النخبة الصالحة من أهل الجبل.

     وقد تعرّض رحمه الله للاعتقال ضمن مجموعة من العلماء والدعاة في سنة 1984م، وقضى أربع سنوات كاملة خلف الزنازين المغلقة دون أن يُسمح له بالخروج منها ، في واحدة من أقسى صور الانتهاك والمعاناة.

      نسأل الله أن يتقبله في الصالحين ، ويسكنه فسيح جناته ، ويبارك في ذريته ويجعلهم خير خلف لخير سلف.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

الأحد، 29 يونيو 2025

في ذكرى مجزرة ابوسليم


رحمهم الله وغفر لهم .. اذكر في ذكرى المجزرة علم 2009 نشرت مقالة من وراء الاستار باسم مستعار .. لتصبح فيما بعد فبراير احدى صفحات فصل من كتابي ( اربع عقود داخل الزنزانة ) عنوان الفصل ( قصاصات قادتني إلى الزنزانة ) نص المقالة 

رسالة الى امين عام الأمم المتحدة
سيادة الامين العام
السلام عليكم
     جلال الصمت يسود الغاب ، والصخور امامنا ومن حولنا تشكل اسوار العزلة ، قدرنا ولدنا وترعرعنا هنا ، هذه بلادنا ليس لنا مكان آخر نلجأ إليه ، يضيق بنا المكان ويعز علينا هجرانه ، يسكن بين جوانحنا ، لن نبرح المكان ، ولن نتزحزح عنه قيد انملة ، مهما فعلوا بنا .
سيادة الامين العام  : 
     إن خير الرعاة من يقود قطيعه للمروج الخضراء .. فتقبل ان اهمس في اذنك نبض ومعاناة شعب يوسم المنظمة التي تتربعون على عرشها بـ " المنظمة الصماء " . هنا في بلد اقررتم باستقلاله وبحق شعبه في الحرية والحياة . اسمه ليبيا . شعب يتطلع الى معانقتكم وهو يصرخ آلما وحزنا وجهلا وفقرا واستبدادا وقهرا لسنوات وسنوات ، هنا حيث الكلام من المحرمات ، انتهز فرصة تمرير كلمة مكتوبة ، من وراء كواليس الانترنيت ، علها تقع ذات يوم بين ايديكم ، وتلقى قبول إصغائكم . بعد اربعين عاما من الصمت ، والآلم ، والحزن ، والحصار ، والجور، ومرارة علقم العبودية .
سيادة الامين العام  :
     هنا تزدحم ذاكرة المكان والزمان بروائح الموت ، وبعذابات التخلف والضجر والخوف وانقطاع الأمل ، والمستقبل المظلم . هنا مواعظ تنتشر منها رائحة اللحود . والكل يسأل : أين هي منظمة الأمم المتحدة ؟ ألا تسمع بنا ؟ ألا تصغي للآمنا والآم اطفالنا ونساءنا وشيوخنا ؟ أما ازكمتها روائح المجازر حيث تنحر الافكار ؟ أم ان صمم النفط اصابها كما اصاب الدول العظمى التي تخلت عنا ولا تزال تحتفظ لنفسها بشعارات ريادة العالم الحر !!!!
سيادة الامين العام  :
     بالامس تم استدعاء والدي الى مكتب المأمور الامني ، وكان لزاما عليّ مرافقتة ، وقد طعنته سنون القهر والمرض ، كما انه ليس لديه غيري فانا اكبر شقيقاتى البنات ، انتظرنا امام مكتبه طويلا ، وازلامه تحدّق بي وتحدجني بنظرات الذئاب المتحفزة للوثوب ، وهي لا تدرى أنها تبصق في وجه الريح . ثم اولجنا الى حجرات وحجرات ، امتثلنا امامه دون شهيق أو زفير . راقبنا بعينان تشعان بالإحتقار ، وشفاه تتبرم بالاشمئزاز ، والزبد يرغي على شدقيه . ارتعش قلبي ، وارتسم الروع على وجهي ، واصطكت رجلاى . وبوجه يتقطب بالحقد وينم عن روح صغيرة ترتجف على قاعدتها ، ودون اكثرات بمشاعر انسان طاعن السن ، قدم لنا ورقة مكتوبة ، عنوانها " شهادة وفاة " من تلك التي توزع بالتناثر على احياء المدن والقرى الليبية مند مطلع العام 2009 . تفيد الورقة بأن نجل الاسرة الوحيد " اخي شقيقي " توفي بالسجن بعد ان قضى أكثر من ثلاث عقود من الزمان داخل اروقته المظلمة التي لم تمنحنا يوما فرصة لزيارة اخي .
       كان أخي طالبا بالجامعة عندما أقتيد الى سجن أبي سليم عام 1976 ، وكنت آنذاك طفلة صغيرة ، أعي أن أخي الذى كنت انتظر قدومه بين الحين والآخر قد غاب ، وأن أسرتي لهذا السبب تعيش حالة حزن وآلم واكتئاب لا تنقطع طوال هذه السنين لأجله . والى أن يأتى اليوم الذي يعود فيه .
     قرأت الورقة ، وكتمت شهقة في مهدها ، وحسبتني هويت إلى غور بعيد القرار . تنفست بحشرجة المختنق ، ثم جمعت انفاسي بعد لأى ، وتشرّبت اللهب المندلع يصدع احشائي . وقف لساني برهة عن الكلام ، علا وجهي الاغبرار، تذرعت بالحزم الأوفى ، وبوقع الرعد القاصف أخبرت والدي بفحواها . ساد صمتا واسعا كالفضاء ، زلزلت الارض من تحت اقدامنا حتى رغبت ان تفغر فاها لتلتهمنا ، أرخى الليل سدوله مظلم حالك دامس ، نضجت النجوم في وضح النهار ، ولبس الكون أمامنا تاج الآسى والحزن . جررنا اذيالنا عائدين بعد ان سمح لنا بالمغادرة ، نتلمس الطريق بيد مرتجفة ، كاطيار يسودها الذعر ، واثقال الحزن العميق ترهق كواهلنا . أسير بين الناس كأنني أمشي بين أنقاض وأعضاء مبتورة عن أجسادها ، أرى أشلاء مقطعة كأنها بقايا مجزرة هائله ، أصرخ ويذهب صوتي بددا على سطوح المستنقعات ، تتطاير الحصى بخطواتي . وما ان لقيت باكيا إلا رأيت وجهه مقبلا عليّ كأنه يسألني : ترى من أين يذبح الانسان إذا كانت دموعه هي دماء روحه ؟
      ويلاه .. ويلاه .. ! ، يا لظلمة شمسي .. كم كانت جدران سجني متقاربة ، ان في داخلي قوة ثائرة تريد اطلاق صوتها . سلبوني ما لا قبل لي بالاستعاضة عنه بشيء ، أخي الوحيد مات بتهمة التفكير ، وبلعنة الليبرالية التي لا افهمها ، فقد علمنا مند وقت مضى ان أخى متهم بانه يفكر بطريقة ليبرالية . وهذا ما حدا بهم إلى التخلص منه دون دليل او محاكمة ، بل ولمجرد وشاية ممن يحسدون تفوقة ، ممن تمرغوا في الاوحال على الشفير ، ووصفوا انفسهم بالثوريين ، يتلهون بالنكايات ، ويترصدون من يتعارج بعلومه . مبتلون بالعقم ويعتقدون ان اقوالهم مستمدة من غور الامور ، يرون الارتقاء في التفوق افتراسا ، فيستقطرون سمومهم ساترين ايديهم بقفازات من زجاج . ينفثون هريرا ودخانا تنزلق على تفاعيله الاشباح ، مرارة الحنضل في ثرثرتهم ، لا تميز في نبرات صوتهم إلا أثر التهاب الحلق . وقد اعتبروا هباء كل حقيقة لم يتلفظ بها صنمهم الذي يعبدون . لقد تركوا على كل معبر اجتازته ارجلهم آثار دماء ، وجهلوا ان افسد شهادة تقوم للحق ، إنما هي شهادة الدماء تقطر السم الزعاف على أنقى التعاليم فتحولها الى جنون واحقاد .
      انا الآن ادرك وإن فقدت فكرة الزمن ، ان أخي مات مند عام 1996 م ، في وقعة الابادة الجماعية الرهيبة ، والشهيرة بـ " مجزرة سجن ابى سليم 28- 29 / 6 / 1996م " .
     اوآه .. آواه .. ، يا لوقري الثقيل وكربتي المضنية . ذهب زفيرى يجول بين المدافن متراميا على اللحود ، ولاح لي كل شيء ركام وردوم واكوام عظام  .
      فوآ .. أسفي على أخي .. انا شقيقته التي لا تقوى على السؤال " أين دفن أخي ؟ " !!! . تلك هي آخر هضبة أطمح إلى بلوغ قمتها . ووآ .. أسفي على نفسي أنا التي ادون مأساتي متنكرة ، أنتعل القباقيب العالية لأخفي طول قامتي ، والذعر يسود حولي ويروع قلبي  .
     ويلاه .. ويلاه .. ! أريد ان اصرخ ، أرهقني سلطان حزني ، من لي بالتعزية ، ومن لي بمن هو أجدر مني تخلصا من الطاعة ، وقد قال كلمته وتحطم . أم سطا الهرم على القلوب الفتية ، وآن للنساء أن تسترجل لقلة ما يتصف بالرجولة الرجال . وان تثير كوامن المستنقعات ، وما الحياة إلا على القمم  .
سيادة الامين العام :
     لعمرى سيادة الامين إني لاشكو إليك بثي وحزني ، وأناجيك بمشاعر النفس الانسانية ، مشاعر فتاة تصطدم ضلوعها بالجدران التي تطوقها ، وهي تتوق إلى انبلاج الضوء من رحم الظلام ، وانقشاع الحقيقة من بطن الغموض . فهل لك أن تكفكف دموعي ، ودموع شعب ابتلي بالعجز عن مكافأة المستبد . فلربما كلمة تلد تاريخ جيل .

احترامي لشخصكم وللمنظمة
الليبية
قوانتنامو بنغازى - ليبيا – 2009

تعقيب

3 -  14 أغسطس, 2009 
صالح الواحي 
     بخِ بخ .. اليكن ايها الحرائر الماجدات .. اليكن يا منارت الشموخ والإباء .. ومصابيح العزة والكرامة والإنتخاء .. يامن صنعتن من شعاع الشمس اثواب التحدي والرفض .. ومن كبوة الهجير طاقة النهوض لمقارعة الباطل والجور .. ومن رداد امواج بحر بنغازي انسام الظفر وأمال النصر .. ومن رصيف ميناءها       قاعدة لانطلاق شعلة العزة والأنفة والانعتاق من الذلة والارتكاس والخنوع .. اليكن يا من جعلتن من خرق البؤس والعوز والحرمان حلل للتألق والرفعة والنيافة ..
    بخ بخ .. اليكن من عفن الاغراءات .. وانفن الاطماع .. وسفهّن الترغيبات .. وصممن عن الوعيد .. وهزئن بالترهيب .. وامتشقن همم التأبي .. وعلون مطيئة الرفعة .. وانتصبن بهامة الاعتزاز .. ونقشن انشودة الفخر على متن التاريخ بأحرف من نور .
     بخ بخ يا امهات شهداء الوطن .. وأخوات ابطال العزة .. وزوجات جند الحق .. وبنات الرجال الذين لم تمنعهم اغلال السجن وقيوده من الانتفاض والتمرد على جبروت التسلط والطغيان .. لم تمنعهم من الاندفاع نحوا الشهادة بقوة الايمان في موكب عظيم تحفهم ملائكة الرحمن بمشيئته سبحانه وتعالى .. ومرامهم بأمر الله أعلى أعالي الفردوس الأعلى .
     بخ بخ .. يا عزيزات اسر شهداء سجن ابوسليم .. ياعزيزات وكريمات الوطن باسرة .. يا من قشعتن غشاوة الذل والمهانة عن وجه ليبيا بوقفتكن العظيمة كل يوم سبت .. باصرار لايعرف التردد .. وصمود لايعتريه التولي .. وتحد لايثنه قمع المستبدين ..
    بخ بخ .. اليكن صبيحة كل يوم سبت .. وصبيحة كل يوم يعيشه الوطن متحديا طغيان الظغاة .. وتكبّر البغاة .. وتهوّر الادعياء .. وسفاهات السفهاء .. وحمقات الرعّن اليائسين .
بخ بخ .. لا فث لكن في عضد .. ولا شلت لكن يمين .. ولا وهن منكن ساعد .. ولا انحنى منكن رأس بذل .. ولا بهت منكن جبين ., ولاخار لكن عزم .. ولا شمت فيكن باغض حقود حسود .. 
بخ بخ .. يا بشيرات النصر وطلائع العزة .. بذكركن ينساب مداد القلم سخيا .. ويستقيم القول .. وتسترسل الكلمات .. وتحسن العبارة .. ويتسق البيان .. 
بخ بخ بنغازي الجميلة .. التي رأيتها يوما من أجمل مدن الدنيا وعرفت فيها ابهى وأجمل جميلات الكون .. ولازالت في خاطري كذلك ، ولكن جمالكن اليوم وفي وقفتكن كل يوم سبت .. جمال لايضاهيه جمال .. وحسن لايباريه حسن .. انه حسن الصنديدات الجواسر.. والفارسات البواسل اللآئي جملن بنورالحق .. وضياء العزة .. وبهجة الوطن بالنصر القريب .. بخ بخ .. بل بخ بخ .. لكن .. وبكن .. وعليكن .. وبكل كلمات الفخر ومعاني الإعتزاز والتبجيل .. محاطة بكل معاني الحب والاعزاز والتقدير .. حبا يذوي في كيان ورحاب الوطن العزيز .. الذي يعلو حبه على كل حب .. كلمات أوجبها واجب .. وأقتضاها موقف عظيم .. ابعثها بها اليكن حيث تقفن في ربوع بنغازي الحبيبة - بين البحر والمحكمة - وامل أن تصل الى قلوبكن تجسيدا لحب الوطن .. الذي جمع قلوبنا في مضمار حبه وأضنانا الحنين والشوق اليه


 

الجمعة، 27 يونيو 2025

ذكرى رحيل انس ختريش


 


    عام 1973 ، وفي ريعان شبابه ، وفي مناسبة اسقاط اسرائيل للطائرة الليبية ، ووفاة جميع ركابها ، ومن بينهم الوزير صالح بويصير مؤلف كتاب " كفاح شعب فلسطين في نصف قرن " تجاسر وزملائه على المطالبة بالاقتصاص ، والصدع عبر منشورات توزع على العامة  : " نريد دولة مدنية .. انتخابات ودستور ، لا للدولة العسكرية ، دولة ديمقراطية ومشاركة حزبية  ، - رغم انه لا ينتمي لأي حزب او تنظيم - ،  دولة لا تفرق بين شرق وغرب وجنوب ، همها المواطن اينما كان ، والسهر على امنه ومتطلبات معيشته " ، كانت هذه الكلمات كافية للزج به خلف اقبية الزنازين خمسة عشر عاما ، وفي عام 1988 افرج عنه .

          لقاء مع المناضل الرمز " يوسف ختريش " بعدما انتهى عصر الجلاد ، مع انبلاج انوار انتفاضة فبراير ، يستذكر تلك الايام الخوالي ، وكم كانت مؤلمة ، ومخلفات حقبة امتدت 42 عاما من البطش والترهيب والإذلال .

    لم يترك لنا شيء يرمم عظم الوطن ، بلد منهار بلا مؤسسات ، بل لحق الاذى بأخلاق الناس وضياع الاجيال ، نعم كانت الخسارة كبيرة ومفزعة .


      تغادر السجن الصغير الى السجن الكبير ، تحاول لملمة شتات حياتك ، إنه بمثابة إعادة تكيف مع صدمة ثقافية لا تقل أهمية عن ذهابك إلى السجن في المرة الأولى ، هناك العديد من المتغيرات ، ولا توجد إجابة قاطعة ، بالتأكيد ، انت لا زلت مراقب ،  وقد يُعاد اعتقالك ثانية في أي وقت ، ولمجرد كتابة احدهم تقرير اشتباه .

   كم من الالم الذي قاسى ويلاته ، وما كان من ابنه " انس " الذي شهد غياب والده كل هذه السنين  ، ألا ان يكون اول المنتفضين ضد الجلاد ، واحد قادة كتيبة " اسود الزاوية " ، المدينة التي شهد لها التاريخ  دوما " عرين الاسود " ، استشهد " انس " بعد معارك طاحنة خاضها في جبهات متعدد ، رحمه الله ، وها هو الاسد الاب يستذكر رحيله ، وكم الاسى الذي ترك الجلاد على صدر الوطن ، كم الدماء والأمهات المكلومات .. رحم الله الاسد " انس " وأطال في عمر الجبل الرمز " يوسف ختريس " ، وعوضه عنا كل خير .

الأربعاء، 25 يونيو 2025

الأمل بوطن مزدهر


 


إلى السيد الفاضل المناضل

 صالح شتيوي الدعيكي

     (سجين نظام القدافي لعشرة سنوات قضاها بين معتقلي  الحصان الاسود وأبوسليم وسطر ذكرياتها في كتابه القرية السجن ... )

حاج صالح ( كما أحب أن ادعوه )

لقد قرأت كتابك وفي كل كلمة قرأتها تمثلت لي فيها نظرتك التي تحمل الألم والأمل معاً وشخصك الوقور وشعرت بصدق كل  ما قلت وتقول،

      لقد قرأت كل سطر فيه لأتعلم عظمة أن تنسى آلمك أمام  الإحساس بألم  الآخرين والتسامح  مع من وشى بك ومع السجانين،

     قرأته حتى لا أحرم من معرفة تجارب وعزم الرجال والصبر والثقة في العزيز الرحمن،

وانا اقراء غلبتني الدموع في أكثر من موقف ولعل أبلغها مكالمة الأهل ليلة إطلاق السراح كان موقفا يذيب الحجر .... واحتضانك لشقيقتك في قاعة المحكمة كم تمنيت ان اكون هناك لأتعلم الإحساس، ومع أنها رحلة لم تخلو من الدعابة والابتسامات ولكنها كانت دروس في النخوة ونكران الذات .

    انت كما خبرناك حكيم وبعيد النظر لقد اتيحت لك الفرصة في أن لا تمتثل  للاستدعاءات وطلبات الحضور  وتختفي كما فعل كثيرون ولكنك اخترت في كل مرة أن تواجه مصيرك بشجاعة أكاد أجزم أنك أردت أن تجنب أهلك وأسرتك عواقب ذلك،

جزاك الله كل خير عن كتابة هذه الصفحات حتى تبقى شاهداً على طاغوت حكم هذا البلد اكثر من اربعة عقود وظلم شعبه وضيع مقدراته، وحتى يعرف هذا الجيل ومن بعده أن حرية الفكر وحرية التعبير عند الأحرار وأصحاب الضمير تأتي قبل الخبز بل قبل حتى التفكير فيما قد تجري به المقادير، عوضكم الله خيراً وثبت أجركم وجزاكم خير جزاء عن وطناً قدمتم من أجله التضحيات

مع كل التقدير والاحترام

اخيكم عبدالرحيم الشيباني


الاثنين، 23 يونيو 2025

وقائع الجمر والرماد

 


 

       الرفيق ( صالح القصبي ) شخصية فريدة ، ينتمي الى جيل المثقفين اليبيين الاوائل ما قبل عاصفة سبتمبر 1969 ، اعتاد منذ ستينات القرن ان لا يفوته كتابة يومياته ، حتى باتت للمطلع اليوم اشبه بسجل تاريخي لمسيرة وطن ، ولم تعد ملكه الخاص .

    كتابة اليوميات ليست مجرد شغف ، بل هي مادة مفيدة للغاية نتعلم من خلالها الكثير عن سنواتنا الماضية ، ما فعلناه أو كنا نفعله منذ سنيين مضت ، وما لا زلنا نفعله حتى اليوم ، نتعرف من جديد على تلك المعلومات التي نسيناها ، وسنجد من بينها العديد من هذه الحكايات والقصص التي تلهمنا لكتابة يوميات مستجدة ، مثل أنني أكتب هذا الذي تقرأه ، كما انها فرصة لمراجعة ما أنجزته ، وما أحسنت إنجازه .

      نقل الأفكار أو المشاعر السلبية إلى الورق يساعد على تخفيف التوتر ، ويجعلك أكثر إبداعًا .  يبدو ان هذا احد اهم الدوافع التي حفزت الرفيق  ( صالح القصبي ) لكتابة يومياته في السجن ، طوال ثلاثة عقود قضاها خلف القضبان ، وكان وقت القيلولة وقد عم الهدوء المكان ، وقتا مناسبا لرسم حروفه على جدار الورق خفية .  انها الوقت المناسب - حسب قوله -  للتأمل ، وبالطبع عندما يعم الهدوء والصمت والاسترخاء ، الافكار تكون بأمان اكثر ، لذا،  تعامل معها على طريقته كصديق مفضّل لديه .

     مع التغيرات السريعة التي تشهدها الحياة من حولنا ، من الرائع أن نقرأ مذكراتنا بعد سنوات أو أن نخبر أطفالنا كيف كانت الأمور عندما كنا نكبر.

   من الممتع أن ننظر إلى الوراء لنرى من التقيت بهم خلال رحلتك وأين هم اليوم وما إلى ذلك . وفي يوميات ( القصبي ) لا يفوته ان يذكر كل اولئك الرفاق ، اسمائهم وطباعهم وتوجهاتهم الفكرية ، والتهم التي الصقت بهم ، حزب التحرير ، الاخوان المسلمين ، التروتسكيين اليساريين ، حزب العودة .. الخ ، وكل الانتماءات الحزبية التي كانت تعج بها البيئة الفكرية الليبية قبل انقلاب 1969 ، وقبل خطاب ( زوارة ) الذي بات قانونا ومرجعية  لتجريم الحزبية ، ومبررا لحشر المنتمين في اقبية السجون .

   " يوميات القصبي " .. حروف من جمر ظلت كامنة تحت الرماد لدهر ، فاختار لها عنوان " وقائع الجمر والرماد " ، ما يميزها اكثر ، انها كتبت خلف القضبان ، من وراء اعين الجلاد ، ستبقى درسا ناصعا ناصحا للاجيال القادمة ، كي تدرك حجم المأساة .

      تدوين مشاعرنا وأفكارنا وآرائنا وتجاربنا في دفتر يوميات ، يساعدنا على جمع شتات أنفسنا وصقلها ، تتبع مسار حياتنا واسترجاع تجاربنا ،

        كتابة اليوميات هي في الحقيقة اشبه بكتابة فيلم وثائقي ، يروي قصة أنت بطل تلك القصة !! وطالما هي تروي احداث وتجارب مررت بها ارتبطت بتاريخ مكان وزمان ، ضمنا سيجد الآخرين في المشاركة بنشرها للملأ ، فرصة استخدمها كمرجع.

   " يوميات القصبي " او " وقائع الجمر والرماد " كتاب يفرض على المرء قراءته .

عابد

 

الجمعة، 20 يونيو 2025

الف داحس وليلة غبراء

 


      “حلمت أن أبي مات… في ساحة السجن، بعد سنوات عشر قضيتها فيه، عند لحظة إطلاق سراحي أخبرني أخي أن أبي قد مات”. بهذه المرثية الصامتة الموجعة، يبدأ أحمد الفيتوري روايته “ألف داحس وليلة غبراء”، لكن هذا الحلم للبطل السجين ظل بمثابة صرخة تترنح أصداؤها في أجواء الرواية، مقلّبة وقائعها ومفارقاتها تارة بين الموت كحقيقة مباغتة في قبضة واقع يشبه المجهول، وتارة أخرى بين الحرية كفعل هش في قبضة حلم مخاتل دائما.

غلاف رواية ألف داحس وليلة غبراء.

    عشر سنوات قضاها بطل الرواية، الكاتب نفسه في السجن محكوما عليه بالبراءة، في قسم يحمل المعنى نفسه “قسم المحكوم عليهم بالبراءة”، وفي لحظة تلمسه شمس الحرية يصطدم بموت تاريخه الشخصي، متجسدا في رحيل والده حلقة الوصل الدفيء الحنون بين فواصل حياته، وعقدها الزمنية المتشابكة، تحت سقف وطن تحول إلى غابة من الخوف والتربص.

     تتكون الرواية من ثلاث روايات صغيرة، هي بمثابة ثلاث كتل نصية تربط بينها رمزية الغابة (غابة الأشجار الميتة-غابة القضبان الحية – غابة الرءوس المقطوعة)، بينما يظل خيط درامي شفيف، في حالة شد وجذب طيلة صفحات الرواية المائتين والخمسين، يتكثف في العيش تحت ظل براءة مغتالة، صارت تهمة من لا تهمة له.

      يفتح موت الأب الرواية على تخوم الماضي والحاضر معا، وعبر فصولها الثلاثة تتكشف أقنعة فترة حكم القذافي لليبيا والتي امتدت لأربعين عاما، تحولت فيها البلاد إلى ما يشيه المتاهة واللغز تحت شعارات سياسية واجتماعية قشرية مخادعة هي في جوهرها غطاء لقمعية النظام ومحاولة تأبيده في السلطة. ومن أبرز الأقنعة التي تكشف عنها الرواية في طوايا فصولها، المكان الذي أخفي فيه الزعيم الشيعي المعروف موسى الصدر، والذي اختفي في أثناء زيارة رسمية له إلى ليبيا، وكذلك المعارض الليبي منصور الكيخيا الذي اختطف في القاهرة بعد أن حضر من أمريكا للمشاركة في مؤتمر عن حقوق الإنسان بصفته كحقوقي.

      كما تكشف الرواية عن تفاصيل حروب القذافي في الداخل والخارج لتصفية خصومه، وتتناول خرافة حكاية حصان مدينة بنغازي الجامح الذي أرق القذافي في وكر حكمه الحصين بباب العزيزية بالعاصمة طرابلس، وعششت الحكاية الهلامية في مخيلته ككابوس ورمز ارتبط بمدينة ظلت شوكة في حلقه، فتم تهميشها، حتى انفجرت منها ثورة 17 فبراير 2011 التي أطاحت بحكمه، ولقي مصرعه في غبارها على يد “الثوار”.

       تسيطر ثلاث مفاتيح رئيسة على فضاء الرواية هي: المخبز، المعتقل، اللجان الثورية، ويشكل كل مفتاح كتلة نصية، ينوع من خلالها الفيتوري مساقط السرد وأزمنته ومناخاته ومقوماته فنيا ولغويا، موليا شغفا خاصا بروح البيئة وبداهتها وحكمتها التي اكتسبتها عبر تراكم الخبرات في عباءة التاريخ والزمن. تعكس لغة الرواية كل هذا في بساطة سردية سلسلة، فيما يبدو زمنها مفتوحا على البدايات والنهايات، متواكبا مع عمر البطل نفسه، ولحظة مخاض وضعت المجتمع على عتبة تحول فاصلة نحو المستقبل مع بداية ظهور النفط في البلاد.

       تشكل بنغازي لحم الرواية وذاكرتها، فهي مسقط رأس الكاتب (البطل)، وهي صرة الحكايات، تبدأ منها وتفترق، ثم تعود إليها، وكأنها نقطة ميزان الصراع ومصفاته ومجمرته في الوقت نفسه. إنها المدينة التي جعلها الكاتب نفسه بمثابة أسطورة خاصة في كتابه المهم “سيرة بنى غازي”، وعرف ترابها خطى الشهداء وأقدام المحاربين العظماء.

      في شوارع بنغازي وحاراتها وبحرها وغاباتها ومقابرها وصراعات أهلها البسطاء مع الحياة، ولقمة العيش تدو أحداث الرواية الأولى “غابة الأشجار الميتة”، ويتصدر المشهد “المخبز” وصورة الأب “الرايس” الخباز، صاحبه، “فارع القامة، وببشرته النبيذية وطوله كما جن النار يقف عند الفرن، مصارع متوثب، حتى لا تأخذه غفلة فيحصد جنون النار ما زرع”… الأب الذي تشرب مهنة الخبيز من معلمه الايطالي، يعرف حكمة النار، ويعرف أيضا أن “الخباز الجيد عليه أن يتعلم الطبخ، فكل ما علاقة له بالبطن يحتاج لبعضه”. إنه لاعب النار، يعرف كيف يهدهدها، حين تنضج أرغفة الخبز كما يحب ويشتهي، وقته موزع ما بين المخبز والنار وامرأتين رهن طاعته وحزمة من الأطفال الصغار. لكنه مع ذلك ممتلئ شهوانية بالحياة، يعرف كيف يستحلبها ويلهو بها إلى أقصى درجات النزق واللذة؛ يصفه الكاتب السارد في عبارة موجزة قائلا “جعل من النار زوجة طيعة ومن الليل النادل”.

      يعكس المخبز صورة مصغرة لحياة المدينة، ففيه تتضافر مجموعة من الحرف تكمل بعضها بعضا، بداية من جالب وقود الفرن، من غابة الحطب الناشف، والعجان والخباز والكريك (آلة تسحب بها أرغفة الخبز من الفرن بعد أن تستوي)، ثم موزع الخبز، كما أن ما يحدث في المخبز سر، من العيب أن يطلع عليه أحد خارجه.

     في هذا الجو ينبسط السرد أفقيا في فضاء المشهد، من خلال عين طفلة، هي عين البطل في خطواتها الأولى الغضة على عتبة المدرسة والحياة، لكن بعد موت الكريك، ومقتل الحصايني، صاحب أسطبل الخيول، حيث وجد مربوطا على ظهر حصانه في السوق، وفي رقبته علق السكين الذي ذبح به، كما قطع قضيب الحصان ودس في فم القتيل. لم يعثر البوليس على الجاني، لكن سرعان ما تناثر المشهد في لطشات سردية لاهثة، وتحولت حكاية الحصان بخيطها البوليسي إلى خرافة تتسع وتتنوع مشاهدها كل يوم على ألسنة الناس، فمنهم من شاهده بالليل يركض في الشوارع والساحات مجتاحا كل شيء، ومنهم من شاهده يضرب أسطح البيوت بحوافره الحادة، محاولا التخلص من فارس يمتطيه، ممسكا سوطا ذهبيا في يده، ومنهم من شاهدة عند الشاطئ يصارع أمواج البحر.

      يحاول الراوي الطفل مساعدة “الرايس” والده، ويتقن مهنة الكريك، لكن أحوال المخبز تسوء، بعد أن شح وقود الحطب، وتحول الكثير من المخابر إلى الاعتماد على الغاز، على نمط المخابز الآلية الايطالية، وشيوع البطالة بين الشباب اللاهث للعمل بحقول معسكرات النفط.

       في المعتقل الذي تدور حوله الرواية الثانية “غابة القضبان الحية”، يضعنا الراوي السجين على ذمة البراءة أمام واقع عبثي، يصعب تفكيكه، والوصول لأهدافه وغاياته، حيث تطالعنا كائنات مهمشة لمجموعة ضخمة من البشر تتسع كل يوم، تقبع ككتلة صماء بين جدران وقضبان حديدية صلدة، سجناء سياسيين، خدعتهم إغراءات الحياة وشعارات كاذبة لنظام فاسد، ليكتشفوا أنهم لم يعيشوا سوى الموت، خارج وداخل السجن… ومع ذلك يتشبثون بإرادة الحياة والأمل في لحظة حرية.

      ينعكس هذا الأمل على مناخ السجن، والذي يتحول إلى كتاب مفتوح، يخط كل سجين فيه صفحته الخاصة، كما ينعكس على حركة السرد في الرواية، فيأخذ سمتا توثيقيا، للأشياء على عبلها وفطرتها كما تحدث في السجن، وينسج الكاتب الراوي من خلال ضمير الأنا الساردة شبكة متعددة الثقوب، يطل منها على ذاته الضامرة الذابلة، وعلى الذوات الأخرى للسجناء، ململما قصصهم وحكاياتهم، كأغنية حزينة، أصبحت مجهولة النسب والهوية، وسط شلال من الزيف والكذب والخنوع يضرب الوطن في مقتل.

      في السجن لا أحد يجاهر بالحقيقة، فهي مهتزة ومشوشة دائما، لا يعرفها، ولا يمتلكها، وعليه أن يستلهمها من نظريات الديكتاتور الحاكم. لكن في المسافة بين قسم البراءة بالسجن الجماعي حينا وحينا آخر في الزنزانة الانفرادية، يتناثر ظل هذه الحقيقة داميا موجعا، وبحسرة قاتلة يتأمل البطل فواجع تلك الحقيقة في ملامح وجوه وحيوات عديدة تتشابك مع حياته ومصيره، مثل الجندي الألماني والمهندس الإيطالي وأمير جماعة التحرير الإسلامي ودي دمبا زعيم حركة تحرير أفريقية ورجال مخابرات لعبوا أدوار مهمة لتنفيذ مخططات النظام ثم أصبحوا أوراقا محروقة في نظره، وجنود وعمال وكتاب وشعراء وصحافيون وبشر عاديون، من مصر وتونس وفلسطين وجنسيات أخرى.

       وفي ظل كوابيس ثلاثة سجون تنقل بينها ينقسم الراوي على ذاته، فيتوهم انه سرق روايته من راو آخر، يحمل اسمه نفسه كان رفيقه بالسجن، بل يخترع شخصية يسميها “كاتب الرواية” يستعين بها أحيانا كظله الهارب… تكسر هذه الحيلة السردية من أحادية السرد وتنوع مساربه، ليعيد البطل استنطاق واستحضار الحكايات والأشياء كما تتراءى على مرآته وفي نفسه كذكريات سجين سياسي… يشير الكاتب السارد إلى هذه الحيلة في بداية الرواية قائلا “ليس مثل أن تزج في الزنازين وأنت بريء مثل أن تكون السجين الذي لم يتهم بأي جرم في الأساس”.

وفي ذات السجن التقى الراوي من جعله يكتب رواية “غابة الأشجار الميتة” لكن إلى الساعة لم يعترف لأحد حتى لنفسه بأنه لم يكتبها بل سرقها، كثيرا ما يخيل إليه انه كاتب الرواية، وليس كما يجوس في نفسه انه سارقها”.

     في الجزء الثالث “غابة الرؤوس المقطوعة” تصل الرواية إلى ذروة أقنعة القذافي العبثية، فبعد خروج البطل الراوي من السجن ومكابدته العيش في حي ومدينة يرزحان تحت العنف والرعب ومطاردات اللجان الثورية، يخطف في ظروف غامضة وينقل إلى مكان مجهول لا يعلمه أحد، بل يقام له سرادق عزاء بعد اليأس من محاولات العثور عليه. لكنه يجد نفسه في جنة بلا أبواب ولا نوافذ، ويقدم له يوميا ثلاث وجبات منتظمة من ألذ وأشهى الطعام، بالغرفة مكتبة بها أحدث المؤلفات من روايات وكتب وأفلام سينمائية وشرائط موسيقى. حين طلب استخدام دورة المياه ليقضي حاجته ينفتح له باب، مطلا على حديقة غناء به دورة مياه فخيمة… “كنت أقضي الوقت كله كما في حكايات من ألف ليلة وليلة، ففي الصباح أفيق مبكرا لأمارس الرياضة وأتمشى في حديقة الدار، ثم أستحم وأدخل للإفطار وبعده أقرا ما تيسر من كتب”.

      بعد استمالته النادل العجوز المكلف بخدمته، يكتشف أنه في وكر القذافي بباب العزيزية…وشيئا فشيئا تنفك خيوط المكان، حيث يعرف أن جاره “الشبح الأسود” هو الإمام الشيعي موسي الصدر بعباءته المعروفة، وأن المناضل الحقوقي المعارض المختفي منصور الكيخيا يقبع بالوكر ويعاني من مرض السكري، وصحته في حالة خطرة… وهو المرض نفسه الذي أصاب البطل في السجن، كما يشاهد القذافي وأذنابه ومدير مخابراته وحفلات اللهو والعربدة والسحر والشعوذة التي يعج بها الوكر ليلا.

      تنشد خيوط السرد ببطء وثقل في منولوجات داخلية موجعة، وكأن الذات تطفو في منطقة من انعدام الجاذبية، يتساوي فيها الوعي واللاوعي، ويصبحان شيئا مبهما معلقا في سقف العدم. لكن بعد فترة يؤخذ الراوي في مكان آخر ويجلس على كرسي وثير، معصوب العينين، ثم تأتي لحظة إطلاق سراحه على يد القافي… يصف الراوي الكاتب هذا المشهد في آخر الرواية على هذا النحو: “لقد طلبته لساعات فيحجز هذا الوقت كله، وستقول لي إنك تخاف أن تذكرني. اذهب عني… لا حول الله. وامتدت يده لتنزع غطاء عيني لم أر شيئا، ضوء الشمس كما غطاء بديل… لقد استعنت بالسحرة الأفارقة وضاربات الودع، رميت النرد فحط على اسمك… ما أربكني وكادت قواي تخور: قل ما الحصان الذي في بنغازي؟”.

       وهكذا تضعنا هذه الرواية الخصبة أمام حالة من حالات العود الأبدي، ليس بمفهوم نيتشة الفلسفي، وإنما بعبثية القذافي، التي لم تزل أقنعته تكبل الواقع الليبي في بحثه عن نقط ضوء لمستقبل يصنع حياة مستقرة.

جمال قصاص

كاتب وشاعر مصري

 

 

هرطقات القذافي