الخميس، 2 أكتوبر 2025

موسى احمد .. مذكرات سجين

 


 

كان لدى القذافي قرنا إستشعار تسبق كل شيء . كان ذئبا لا تصيبه سنة ، وثعلبا لا تغلبه حيلة ، وأفعى لا ينقصها سم  ، وضبعا لا يعرف إلا الغدر ، وحرباء لا تتقن غير التلون .

عدد كبير من الضباط الذين شاركوا العقيد إنتصاره في الإنقلاب يقبعون هنا في (  المحقرة ) .  لم ينتظر كثيرا ، كان قد بدأ يقص بعض الأجنحة التي ساعدته على الطيران  . معظم هؤلاء القابعين هنا ينتظرون حبل المشنقة . اعتقلهم بعد أربعة أشهر فقط من نجاح الإنقلاب . كان يعلم أن كثرة السيوف تزلزل أركان حكمه  ، وأن سيفا واحدا قاطعا سيثبت تلك الأركان خاصة إذاما سارع باستعماله في الاطاحة بالرؤوس القريبة منه .

في (  المحقرة ) إلتقى كثيرون ممن تعرفهم ليبيا ، أجتمع  هناك (  موسى أحمد )  و (  آدم الحواز ) و ( عمر الواحدي ) ( وعبدالونيس  محمود الحاسي ) و (   الهادي ابوالقاسم العربي ) و ( السيد احمد الزبير السنوسي ) المتهم الرئيسي في ما يعرف بقضية (  الأبيار ) . كان الضباط يهانون أيما إهانة ، ويعيشون العذاب صباح مساء ، ويتركون عرايا في البرد في زنازين من أيام الفاشيين  . كانت محاكمتهم من اسرع المحاكمات. وعندما صدرت أحكام عليهم لم ترق  للعقيد ، سير مظاهرات من عمال الميناء تهتف " الشعب يطالب بالعدام.. الشعب يطالب بالعدام  " نعم لم يكونوا يفرقون بين كلمة ( الإعدام )  وكلمة ( العدام ) . ظل بعضهم ما يقرب من عشرين عاما وهو محكوم عليه بالإعدام ، كل يوم يمر يعتبره فائضا على عمره ، فهو بحكم الميت منذ سنين .

المقدم موسى أحمد ،  اول وزير داخلية بعد نجاح الانقلاب ،  مثال صارخ على أن العقيد لا ينسى ، وأن أنيابه لا يمكن أن تهدأ إلا اذا شربت من دماء أصدقائه الأوائل ، وأن طول الزمن لا يخلف الوعد الذي قطعه العقيد على نفسه بإبادة كل من يمكن أن يكون مثار شك له من الذين اشتركوا في إنقلابه أن ينقلبوا عليه . 

موسى أحمد كان ضابطا شجاعا ، و وطنيا بامتياز . ينحدر من منطقة سوسة وينتمي لقبيلة الحاسة  . كان مؤمنا بأن العهد الملكي لن يساهم في تقدم ليبيا ، وأن ما يصلح لها هو النظام الجمهوري الديموقراطي ، فاستجاب لطلب القذافي منه  ، ووعده بأن يصطف ألى جانبه . كان له دور بارز في السيطرة على معسكر (  قرناندة ) الهام . كان العقيد وقتها مختفيا في بنغازي ، في معسكر قاريونس تحت حماية المقدم  ( آدم الحواز )  .

كان القذافي قد زار (  موسى أحمد ) في بيته بصحبة أخيه ( مصطفى الحاسي  ) الذي كان من بين الضباط الأحرار والذي سجنه القذافي فيما بعد خمس سنوات في قضية ( عمر المحيشي )  . أبلغه القذافي بموعد الإنقلاب وطلب منه المساعدة  وكان أعلى رتبة عسكرية منه.. دخلت أثناء حديثهم إلى الصالون إبنتا ( موسى أحمد )  الصغيرتين  ، وكان موسى يحبهما حبا إستثنائيا ،  فقال ليؤكد للقذافي على أن حب الأوطان يفوق حب الأبناء  : " انا مستعد من أجل ليبيا للتضحية بهاتين الصغيرتين " .

في العيد العاشر للإنقلاب ذكر القذافي في إحدى خطاباته قصة إبنتا ( موسى أحمد )   عندما أبلغت (  موسى أحمد ) بالإنقلاب بكى وقال : " أنا مستعد من أجلك أن أضحي بهاتين الفتاتين " . كان موسى أحمد يومها ما يزال في السجن . رأى الكذب الذي يسوقه العقيد على الشعب المسكين ، فكتب إليه رسالة من داخل السجن وقال له : " صحيح انني بكيت لإنتصار الثورة ، واما إبنتاي الحبيبتان فأنا لم أقل إنني مستعد للتضحية بهما من أجلك ، بل قلت من أجل ليبيا . لكن مهلا ايها العقيد ؛ هل تعلم أن هاتين الإبنتين هما الآن في الشهادة الثانوية وتعيشان تحت خط الفقر على مبلغ خمسين دينارا تتقاضاه والدتهما من الضمان الاجتماعي كانهن يتامى ؟! وهل تعلم أيها العقيد أن السجناء والضباط الذين ساعدوك على أن تصير إلى ما صرت اليه اليوم يأكلون من القمامة ؟! " . ثم ختم رسالته ببيت الشعر المشهور : إن كنت لا تدري فتلك مصيبة  .. وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

لقد أصبح هاجس المؤامرة يقض مضجعه فبدأ بتتبع سيرة الشخصيات التي يمكن أن تملأ الفراغ ، أو ينادي بها الناس ، أو يستعين بها أعداؤه فتخلفه ، فقرر ملاحقتها وتصفيتها سواء كانت موجودة في الداخل أو الخارج . بدأ بالأستاذ ( عامر الدغيس ) و ثنى بالأستاذ (  محمد حمي )  ، ونجح في استلام ( عمر المحيشي ) في صفقة حقيرة واختطاف الأستاذ  ( منصور الكيخيا ) ...

غادرنا موسى أحمد في الإفراج الكبير عام 1988 م . بعد أن أمضى معنا ثمانية عشر عاما  . ، أراد أن يعيش بهدوء.  أن يترك الدنيا لأهلها ،  أن يترك القذافي يشبع بالسلطة .

دخل عليه في مزرعته قوم سود ، أفارقة زادهم الظلام خفاء . كان ذلك في ليلة من ليالي أبريل 2005 . كان وحده كأنهم ينتظرهم ، لا يريد أن يكون معه غيره ، ظل جالسا على كرسيه بهدوء كأنه لا يراهم ، تقدموا اليه بحرابهم ، فلم يطرف له جفن ، ولم يرف له رمش ، كأنه كان يعرف كل شيء ، هيأ صدره للطعنة الأولى ، تلقاها ونفر الدم على وجه قاتله نفرا ، لم تسمع إلا زفرة خرجت مع دفقة الدم ، اختصر فيها  ( موسى )  وجع ليبيا كلها . إنهال عليه الثاني والثالث ، طعنوه ستة وثلاثين طعنة ، غطاه الدم حتى لم يعد لوجهه ملامح .

بعد يوم كامل ، سلمت الجثة إلى أرملته في صندوق مشمع ،  وطلبوا منها ألا تفتحه كأن الذي مات كلب ، وأن تعجل بدفنه ، وألا تفتح فمها بكلمة . 

ليبيا مختطفة  يا سادة  ، إنها في قبضة جلاد لا يعرف الرحمة ،  جاءت به لعبة دولية إلى الحكم ، فصار إلاها  ولولا أن فرعون سبقه إلى العبارة الخالدة ، لقالها هو ؛ لأنها أكثر لصوقا به ؛ بفؤاده  ، بأحلامه ، بطموحاته المجنونة : " انا ربكم الأعلى " .

من رواية ( طريق جهنم ) .... بتصرف

علي العكرمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هرطقات القذافي