الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

مذكّرات من الزنزانة الانفرادية


الفصل الأول: لحظة القبض – بداية الحكاية

    لم يكن عام 1993 يوماً عادياً في حياتي. كنت أعيش بين عائلتي وأطفالي ووالدتي، حياة بسيطة ولكنها مليئة بالمسؤوليات. وفي لحظة لم أتوقعها، انقلب كل شيء.

      اقتحمت قوات الاستخبارات العسكرية قبضوا عليا في مدخل إجدابيا الشرقي قادما من بنغازي وما هي الا لحظات حتى داهموا البيت لتفتيش، ضجيج أقدامهم، صراخ الأوامر، ووجوه لا تحمل أي معنى للرحمة. في ثوانٍ، انقطعت صلتي بالعالم الذي أعرفه. رأيت في عيون أطفالي خوفاً لم أره من قبل، ورأيت على وجه والدتي انكساراً لن أنساه ما حييت.

    ذلك المشهد ظل يرافقني في كل ليلة داخل السجن… كان الوجع الحقيقي يبدأ من هنا، من تلك اللحظة بالذات.


 

الفصل الثاني: الطريق إلى المجهول

     لم يخبروني إلى أين يأخذونني، ولم يسمحوا لي بكلمة أو حتى نظرة وداع. رُميت في سيارة مغلقة، وبين الضرب والسباب كانت أولى محطات العذاب ، علمت لاحقاً أن رفاقي في المدن الأخرى تعرّضوا لما هو أسوأ. عشراتٌ منّا اعتُقلوا في كل مكان ، واعتُقل أيضاً أقاربي ، كان النظام يريد أن يُغلق على أي صوت ، حتى لو كان الصوت مجرد فكرة.


 

الفصل الثالث: زنزانة لا تعرف النهار

    في السجن العسكري، دخلت أول مرة إلى زنزانة انفرادية ضيقة، جدرانها رمادية، ورائحتها تختلط فيها الرطوبة بالخوف ، لا نافذة حقيقية… فقط فتحة صغيرة يدخل منها هواء بارد كالسكاكين ، هنا تبدأ الحسابات الجديدة:

     وقت بلا معنى ، يوم يشبه يوم ، ونوم متقطع يُطارده صوت الحراس ، لا زيارات ، لا دواء حتى لو اشتدّ المرض ، لا طعام يُشبه الطعام ، وأكثر ما يؤلم ، أن لا أحد خارج تلك الجدران يعرف حالك أو يسمع أنينك.


 

الفصل الرابع: المحكمة الصورية

     بعد أشهر من الصمت والانتظار، أُبلغنا ببدء المحاكمة ، كنا نظن أن الأمل يلوح أخيراً، لكن ما رأيناه لم يكن محكمة… كان مسرحاً بائساً ، محامون ؟ نعم ، وُضع أمامنا رجال بزيّ عسكري، يسمونهم محامين، لكنهم كانوا جزءاً من النظام نفسه. لم يرفع أحدهم رأسه ليقول كلمة دفاع. كانوا أدوات، مجرد أوراق بشرية توقّع وتنفذ ، كنا نُنقل من زنازيننا الانفرادية إلى القاعة مكبّلين، يُرفسنا هذا ويدفعنا ذاك، وكأن المعاملة جزء من الحكم قبل صدوره.

الفصل الخامس:

     سنتان من الانتظار ، عامان كاملان ، عامان من جلسات تُعقد بلا هدف ، وقرارات تُؤجّل بلا مبرر ، عامان من الانتقال المهين ، والعودة إلى ظلام الزنزانة.

     في تلك الفترة، كثيرون انهاروا صحياً ونفسياً ، لكنني كنت أقاوم على بصيص صغير من الأمل … أحياناً أظنه وهماً ، وأحياناً أتمسك به كالغريق.

الفصل السادس : الأحكام

في ذلك اليوم ، دخلنا القاعة ، والهواء كان أثقل من أي يوم مضى ، لم يتحدث أحد ، لم يتحرك أحد.

     ثم بدأت الأحكام تتلى… ثمانية من رفاقي حُكم عليهم بالإعدام : ستة رمياً بالرصاص ، واثنان شنقاً ، كان الخبر يسقط علينا كالصواعق ، أما الآخرون ، فتناثرت أحكامهم بين المؤبد، والعشرين ، والعشر ، والثلاث سنوات ، ظلمٌ كُتب بالحبر لكنه كان يغرس خنجره في الروح.


 

الفصل السابع: الحياة بين الجدران

    عُدنا جميعاً إلى زنازيننا ، لكن شيئاً عميقاً انكسر في الداخل ، لم يسمحوا لنا بالشمس ، ولم يُعطونا دفئاً يحمي أجسادنا في الشتاء ، الماء الساخن للاستحمام كان حلماً بعيداً ، والطعام أقرب إلى العقاب منه إلى الغذاء.

    كانت الأيام تسير ببطء قاتل، والليالي طويلة بلا نوم ، إلا أن شيئاً واحداً ظل حيّاً فينا… شيء لم يستطع الجلاد قتله: الإيمان بأن الظلم لا يدوم.

 


الفصل الثامن: ما بعد الألم

    مرت الأعوام، وبقيت ذكريات تلك المحاكمة الصورية محفورة في داخلي ، ليست مجرد أحداث ، بل جرحٌ ترك ندبة لا تزول، ودرساً بأن الحرية لا تُعرف قيمتها حتى تُسلب بالكامل.

      هذه المذكرات… ليست إلا محاولة متواضعة لكي أترك أثراً يشهد أننا كنا هناك، وأننا صمدنا رغم كل شيء. وللحديث بقيه

الامين السنوسي الفرجاني


 

الاثنين، 24 نوفمبر 2025

أحمد يوسف بورحيل .. مذكرات سجين



رثاه الشاعر معتوق الرقعي بقصيدة

رحيلك رحل يا بورحيل وعدى

ونيس كنت لنا في الرخاء والشدة

رفض من البداية انقلاب العسكر ، ورفض عرضا" لمنصب وزارة العدل في حكومة محمود المغربي في سبتمبر 1969، كان مناصرا" لدولة المدنية بدستورها وديمقراطيتها ويطالب بعودة الجيش الى ثكناتهم

اعتقل مطلع 1970 م بتهمة توزيع مناشير مناوئة للنظام وحكمت عليه محكمه عسكريه خاصه في 15/7/1972 بالسجن . كانت المنشورات تنتقد بشجاعة ووطنية حكم العسكر واعتباره خطوة يضيع بسببها الوطن والمواطن واجه بشجاعة التعذيب وذاق من التعذيب ما لا يطيقه بشر ، ولم يستجدي الشفقة بل كان يسخر من جلاديه كان أحمد إنساناً لا يهاب إلا الله صدوقاً ، صديقاً نادراً، يهب لنصرة أحبابه دون طلب ، ويقف إلى جانبهم كما يقف الجبل خلف ظله ولا غرابة فهو سليل اسرة وطنية مجاهدة فهو إبن الشهيد يوسف بورحيل المسماري ، وكيل شيخ الشهداء عمر المختار ورفيقه الأوفى ، الذي فصل رأسه عن جسده يوم 19 ديسمبر 1931م ، في مشهد خلد في وجدان الوطن مرارة الفقد وعزة الكفاح .

خرج من السجن بعد عشرة سنوات عجاف جسد مريض وروح منهكة ، توفى 18يونيو 1988م .. وها هو الزمن يمضي ، وتمضي العقود تلو العقود وتظل الذاكرة تحتفظ باسم أحمد بورحيل ، لا مجرد خريج قانون، ولا مجرد سجين، بل ترنيمة وطنية شجاعة، تنتمي إلى سلالة من ذهب ودماء ونار.

يتسال الكاتب نصر الدين الكوافي .لماذا القذافي حفيد بومنيار لمطلين عقب انقلابه في عام 1969 قام بسجن المرحوم "احمد يوسف بورحيل" ابن المجاهد الكبير "يوسف بورحيل المسماري" لمدة 8 سنوات ونكل به حتى توفاه الله وقام بطمس تاريخ والده من الجهاد واسقط اسمه عمدًا من تاريخ الجهاد....

للعلم أن المجاهد "يوسف بورحيل" هو نائب شيخ المجاهدين "عمر المختار" واستلم المهمة من بعده حتى استشهد بعد عدة أشهر، وتم قطع رأسه وفصله عن جسمه بعد القبض عليه من قبل "بندة عاكف امسيك" القادمة من طرابلس الغرب والمتحالفة مع الطليان لكبح التمرد في برقة، وقد تجولت برأسه في شوارع بنغازي لترهيب عامة الناس( وهم يقولون اشبح يابودور غزير بندات عكاف ويش دير ) ومن ثم اهدته للحاكم الإيطالي كعربون ولاء.


كل التفاعلات:
١٣٤


الأحد، 9 نوفمبر 2025

مذكرات سجين .. محمد مصطفى ابوحريك

 



  مسيرة سجين رأي بدأت مع الارهاصات الاولى لسيطرة الانقلابيين على السلطة في سبتمبر 1969 ..  اعتقل عدة مرات ، الاولى كانت عام 1970 بسجن الكويفية  ، واطلق سراحه بعد 6 اشهر ، ثم اعتقل  1986 ، ثم عام 1998 ، ثم عام 2010 ، والتهمة دائما سياسية .

   شارك في حرب التحرير ، فبراير ربيع الحريات ، اصيب بالجبهة في مدخل مدينة اجدابيا ، 23 . 10 . 2011 ، وفي منطقة خور وقيد في 17 . 7 . 2011 ، خسر سيارته الشخصية وهو ينقل الذخائر للجبهة بمنطقة راس الانوف ، وبعد هذا كله ، لا يزال يقطن وأسرته كوخ غير صالح للسكن .. اي نهاية هذه يا دولة النفط والعدالة .؟

   ظروفه المعيشية الصعبة ليست وليدة اليوم ، بل على ما يبدو استثمر وقته خارج السجن في مطاردة الجهات الرسمية والمنظمات الحقوقية والخيرية ، شارحا ازمته ـ وواصل ما بعد فبراير يناشد ولا مجيب  .

    - رسالة من جمعية حقوق الانسان بمؤسسة القذافي للتنمية ، موجهة الى رئيس نيابة المرج ، : " تهديكم جمعية حقوق الانسان بمؤسسة القذافي للتنمية تحياتها ، وتفيدكم بأنها تلقت شكوى من الاخ : محمد محمد مصطفى ابوحريك ، مفادها تعرض اسرته للضرب والتعذيب وسؤ المعاملة .. نأمل اتخاذ الاجراء القانوني " .

- رسالة للقيادة الشعبية الاجتماعية بالمرج .. ورسائل ومناشدات لا تتوقف ، وكان لم يحدث شيء .. وتستمر المعاناة .

   في لقاء صحفي له مع صحيفة " صوت المرج " ، يقول : " لقد تفاجأت ونحن في ليبيا الجديدة لم يتغير شيء .. تم وقف مرتبي ، انا رب اسرة كبيرة وفي حاجة لمرتب ، لدي عشرة اطفال ، ابنتي الكبرى في  عمر 13 عام ، موقوف عن العمل ، تعيش اسرتي الان من مرتب تقاعدي لوالدتي ، الذي هو المرتب التقاعدي للمرحوم والدي .

   هذه النهايات المثيرة للدهشة ، هي حال معظم سجناء الراي زمن الصمت ، وكان الدولة العميقة او قوى اخرى تعمل من اجل ابعادهم عن المشهد .

 

هرطقات القذافي